في منافي الشوق... عن الحسين، وجراح المنفى، وكبرياء الوطن

08/06/2026 - 16:33 PM

Jonathan Amireh

 

 

 

عدي حاتم

في حضرة الشوق، يغدو حديث الزائرين أرقَّ الحديث، وأعذب البوح ما أفصح عنه الزائرون العراقيون والأجانب وهم يشهدون زيارة الأربعين، تلك الظاهرة الإنسانية الفريدة التي رأى فيها كثيرون تجسيدًا لحلم أفلاطون بـ«المدينة الفاضلة»، حيث يخدم الناس بعضهم بعضًا دون تمييز بين جنسية أو لون أو حسب أو نسب.

ورأى آخرون فيها ملامح الحلم الذي بشّر به ماركس بإلغاء الطبقية؛ فهذه الملايين جميعها تأكل من السفرة نفسها، وتنام على الفراش نفسه، فلا لقب، ولا جاه، ولا منصب. الجميع يُنادى باسمٍ واحد: «زائر». وكأن الإنسان يخلع ألقابه ورتبه ومكانته الاجتماعية مع أول خطوة يخطوها في الطريق إلى مرقد الإمام الحسين، فلا يبقى منه إلا إنسانيته المجردة. ذلك ما سمعته من زائرين يملكون وصلك، يا حسين، بينما يستوطن قلبي المحروم أعمق الجراح وأشدُّ اللوعة.

فمنذ أكثر من عقدٍ من الزمان، وأنا أتجرع مرارة النفي القسري بعيدًا عن أعتابك، ومرت على قلبي سنواتٌ عجافٌ صرنا فيها نزورك بأرواحنا وخيالنا من وراء القارات، ونحدّق إلى قبابك الطاهرة بعين الشوق من خلف البحار.

ومع كل فجرٍ جديد، ينهض في القلب رجاءٌ لا يخبو، بأن يكتب الله فرجًا لقلوبنا المتعبة، ولوطننا الذي أثقلته الجراح. ولم يكن لنا في منافي الاغتراب سوى دموعٍ حارقة، وعبراتٍ صامتة، نواسي بها لوعة الفقد وأنين الفؤاد، علَّها تخفف حزنًا لا يهدأ، وحنينًا لا يعرف السكون.

إن الغربة القسرية ليست مجرد مسافاتٍ تفصل الإنسان عن وطنه، بل هي اقتلاعٌ للروح من جذورها، وهدمٌ لبيت العمر، ونفيٌ لإنسانٍ لم يرتكب ذنبًا سوى أنه رفض الانحناء للطغيان، وآثر أن يدفع ثمن الكرامة بدلًا من أن يبيعها. وما يزيد هذا المنفى مرارةً أن الذين هددوني بالقتل، وأجبروني على الرحيل المرير، هم جماعات تتدثر برداء المذهب، وتدّعي الانتساب إلى مدرسة الإمام الحسين.

غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن تلك الشعارات؛ فما هم إلا أدواتٌ رخيصة تنفذ أجندةً خارجية، غايتها تقويض الدولة العراقية، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، والإضرار بشعبها، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية الذين كانوا، وما زالوا، أول ضحايا هذا المشروع.

لقد جعلت إيران من المذهب غطاءً لتوسيع نفوذها وبسط هيمنتها في المنطقة، كما جعلت من شعارات فلسطين و«المقاومة» وسيلةً لتبرير تمددها في عددٍ من البلدان العربية، بينما كان الثمن الحقيقي يُدفع من دماء الأبرياء، ومن أعمار الشرفاء الذين سيقوا إلى المنافي لأنهم رفضوا أن يبيعوا أوطانهم أو ضمائرهم. لقد كان شيعة العراق، عبر محطات التاريخ المختلفة، أحد أهم أعمدة الوطنية العراقية،

ولم تكن مواقفهم يوماً إلا سداً منيعاً لحماية الحدود والسيادة. فالوطنية العراقية المعاصرة لم تولد من فراغ، بل أسس معالمها قامات شيعية فذة كـالسياسي الراحل "جعفر أبو التمن"، ذلك الرمز الوطني الذي جسد مفهوم الهوية الوطنية الجامعة في سنوات التأسيس. وتاريخياً، كانت الجماهير الشيعية وعشائر الفرات الأوسط والجنوب الأبي هي الوقود الحقيقي لثورة العشرين الخالدة؛ إذ انطلقوا بدافع وطني خالص، وقادوا الثورة بأجسادهم العارية، وتحملوا العبء الأكبر بالدماء والمهج، وقدموا تضحيات جسيمة زلزلت عروش الاحتلال البريطاني، وحررت أرض العراق من قبضة المستعمر لتوضع اللبنة الأولى للدولة العراقية الحديثة.

ولم تتوقف هذه التضحيات عند حدود الماضي؛ فحين داهم خطر الإرهاب والتكفير أرض الرافدين واستباح تنظيم داعش مدنه، هبّ أبناء الشيعة ملبين نداء الأرض والعِرض، وبدمائهم الزكية التي سالت في السهول والجبال تحرر العراق من براثن الإرهاب، وصانوا وحدة أرضه من التفتت والتقسيم، مقدمين الغالي والنفيس لحماية كل العراقيين دون تمييز، مستلهمين في ذلك أسمى دروس الكرامة والإباء من سيد الشهداء الإمام الحسين، فالشيعة الحقيقيون لم ولن يخونوا وطنهم قط، لأن حب الأوطان لديهم جزء من عقيدتهم الحسينية الرافضة للظلم والتبعية.

أما جماعات الإسلام السياسي، شيعية كانت أم سنية، فهي لا تؤمن بوطن ولا تعترف بحدود. إنها تيارات نفعية تستخدم الدين والمذهب كأداة براغماتية للسيطرة على عقول الناس، وتطويع الجماهير، والوصول إلى سدة السلطة لنهب ثروات الأوطان واستباحة مقدرات الشعوب. هذه الجماعات لا تمثل الحسين وثورته الإصلاحية، بل تمثل الفكر الأموي الذي وظّف الدين لخدمة العرش والمال وسرقة قوت الفقراء وتشريد الأحرار.

يمتد بي النفي، وتشتد لوعة الغربة، ويبقى الشوق إلى الأهل والأحبة والوطن غصة تخنق الأنفاس ولا يداويها مغترب. أعيش بجسد في قارة بعيدة، لكن بقلب معلق في بغداد، وعين ترنو إلى كربلاء، مستذكراً ومردداً: ولم يبقَ لنا من العراق إلا وطنٌ نسكنه في الحنين، ولا من الأهل إلا أصواتٌ تزورنا في ليالي الغربة، ولا من الأيام إلا دعاءٌ يتكرر كل فجرٍ بأن يكتب الله لنا عودةً قبل أن تسبقنا إليها أرواحنا، منتظرين فجراً ينقشع فيه ظلام التبعية والإسلام السياسي، ليعود العراق حراً شامخاً لأهله الحقيقيين الذين يبنون الوطن بدمائهم ولا يبيعونه في أسواق الأجندات الخارجية.

ويبقى العراق، مهما طال ليل المنافي، وطناً لا يغادر القلب، وتبقى كربلاء قبلة الروح، ويظل الأمل قائماً بأن ينهض هذا البلد من تحت ركام الطائفية والتبعية، ليعود لأبنائه الذين أحبوه وطناً، لا غنيمة، ورسالةً، لا صفقة، وتاريخاً، لا مشروعاً عابراً.

 

* كاتب عراقي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment