فاروق غانم خداج *
تؤكد مجموعة «وأجري خلف خولة» للقاص السعودي حسن علي البطران أن القصة القصيرة جداً لم تعد مجرد تمرين على الإيجاز، بل أصبحت شكلاً سردياً قادراً على حمل أسئلة الذاكرة والغياب والعلاقة الإنسانية بكثافة لافتة. فالمجموعة، الصادرة عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع في العراق سنة 2021، تتوزع على ست عشرة «خيمة» تضم نصوصاً قصيرة جداً تقوم على الاختزال، والتقطيع الدلالي، وإعادة ترتيب عناصر الحكاية في لقطات خاطفة لكنها مشحونة.
منذ العنوان، يدخل البطران إلى منطقة التأويل لا إلى منطقة التسمية المحايدة. فـ«وأجري خلف خولة» لا يقدّم خبرًا بسيطًا، بل يفتح مسارًا من الحركة والبحث والمطاردة، ويجعل القارئ أمام اسم يتحول سريعًا إلى علامة دلالية يتجاوز بها حضوره الشخصي ليغدو أثرًا في الذاكرة. وخولة هنا ليست مجرد حضور أنثوي، بل نقطة تجمّع لمعنى أوسع يتعلق بالحنين، والغياب، والملاذ، وبالذاكرة التي تظلّ تسبق الوصول خطوة وتؤخره خطوة أخرى.
وتتضح فرادة التجربة أكثر حين ننتبه إلى بنية المجموعة نفسها. فهي تقوم على شكل هندسي رمزي؛ ست عشرة «خيمة»، يضم كل منها أربعة نصوص، في توازٍ واضح مع تصور الكاتب لفضاء سردي يستعير من الخيمة معنى الاحتواء والسترة والاتساع الصحراوي. هذا الاختيار ليس شكليًا، بل يعكس وعيًا ببناء المجموعة بوصفها عالمًا متكاملاً، حيث لا تأتي النصوص متجاورة عفوًا، بل كأنها وحدات داخل معمار واحد، لكل قطعة فيه موقعها ودورها.
في هذا الإطار، تبدو القصة القصيرة جداً عند البطران أشبه بقطرة كثيفة المعنى، لا بكلام زائد عن حاجته. النصوص لا تُروى لتشرح ما حدث، بل لتلتقط لحظة ما قبل الفهم أو ما بعد الصدمة. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في قصة «هبوط اضطراري»، التي تقول: «فقدته سنوات عديدة، فقدها سنتين، طائرة قادمة من الصين تجمعهما». الجملة هنا قصيرة، لكنها تفتح أفقًا واسعًا للقراءة: غياب طويل، زمن غير متكافئ بين طرفين، واحتمال لقاء يأتي من جهة بعيدة، وكأن الطائرة لا تنقل أشخاصًا فقط، بل تعيد ترتيب مصائر معلقة. ويزداد أثر النص لأنه لا يشرح العلاقة بين الضميرين، بل يكتفي بإشعال سؤالها.
ويحافظ البطران على هذا الاقتصاد اللغوي في نصوص أخرى، مثل «بئر ريانة»، حيث تتحول الصورة إلى حركة انتظار وارتواء وارتباك دلالي، ثم تنقلب النهاية إلى مشهد رمزي يترك القارئ أمام أثر المعنى لا أمام شرحه. وفي «أثر جاف»، ينبني التوتر على لحظة مرآوية تكشف ما تختبئ خلفه الصورة من نقص أو خيبة. أما «ثقب به سم» فتنقلنا إلى مستوى آخر من العلاقة الإنسانية، حيث الصداقة نفسها تصبح مجالاً للشك والمفارقة واختبار الوفاء. وهذه الأمثلة لا تشتغل بوصفها حكايات مكتملة، بل بوصفها ومضات تخفي أكثر مما تُظهر، وتفعل ذلك بعبارات قصيرة تترك بين الجمل مساحة عمل حقيقية للخيال.
ومن أهم ما يميز هذه التجربة أنها تقترب من قصيدة النثر من غير أن تتخلى عن سرديتها. فاللغة هنا ليست أداة نقل فقط، بل مادة تشكيل؛ تحضر فيها الاستعارة والإحالة والترميز، ويشتغل فيها الإيقاع الداخلي أكثر من أي تزيين خارجي. وهذا التقارب لا يأتي من الموضوع وحده، بل من طريقة بناء الجملة نفسها: جملة مقتضبة، مشدودة، تتقدم بالانقطاع أكثر مما تتقدم بالشرح، وتراهن على الصورة الخاطفة التي تظلّ مفتوحة بعد القراءة. لذلك تبدو بعض النصوص وكأنها تُكتب على الحد الفاصل بين القصة والقصيدة: لا هي قصيدة مكتملة الصنعة، ولا هي حكاية تسترسل في التطور، بل شكل سردي ثالث يراهن على اللمعة والانفعال المكثف.
هذا القرب من الشعر لا يعني الغموض المفتعل، بل يعني أن البطران يثق بالقارئ. فالنص يلمّح ولا يصرح، ويترك فراغًا يعمل لصالح المعنى. وفي القصة القصيرة جداً، هذا الفراغ ليس نقصًا، بل جزء من البناء. فالقارئ هنا لا يتلقى قصة جاهزة، بل يشارك في إنجازها عبر التأويل. وهنا تحديدًا تكمن قوة المجموعة: أنها تُخرج المتلقي من موقع التلقي السلبي إلى موقع الشريك في إنتاج الدلالة. ولهذا لا تنتهي القصة عند السطر الأخير، بل تبدأ بعده في ذهن القارئ، حيث تعود الجملة القصيرة لتكبر وتتمدّد وتكشف طبقاتها المتأخرة.
ومع ذلك، فإن بعض النصوص تدفع الاختزال إلى حد يجعل تأويلها شديد الانفتاح، وهو ما قد يباعد بينها وبين بعض القراء، لكنه في الوقت نفسه ينسجم مع رهان هذا الفن على المشاركة التأويلية، ويؤكد أن القصة القصيرة جداً لا تبحث عن إجابة واحدة بقدر ما تفتح المجال لتعدد القراءات.
وتكشف المجموعة أيضًا عن وعي اجتماعي واضح. فموضوعاتها لا تدور في فضاء تجريدي محض، بل تنبض من واقع عربي مثقل بالتوترات، وبعلاقات بشرية معقدة، وبأسئلة تتعلق بالمرأة والجسد والشك والانتظار والسلطة الرمزية. غير أن البطران لا يعالج هذه الثيمات مباشرة أو خطابيًا، بل يمررها عبر بنية مشهدية مختزلة تجعل من النص مساحة رصد أكثر منها مساحة وعظ. ولهذا تأتي المرأة في المجموعة بوصفها مركزًا للمعنى، لا مجرد شخصية هامشية، وتأتي العلاقات الإنسانية بوصفها اختبارًا للقيم لا سردًا لها.
ومن اللافت أيضًا أن البطران ينجح في تحويل العابر إلى أثر دائم. فالمشهد الذي يبدو صغيرًا، أو اللقطة التي تمر سريعًا، أو العبارة التي لا تتجاوز سطرًا، كلها تتحول إلى بنية دلالية قابلة للاسترجاع. وهذا ما يفسر لماذا تبدو المجموعة متماسكة على الرغم من تنوع موضوعاتها؛ لأنها لا تبني وحدتها على الحكاية، بل على الحساسية الفنية نفسها، وعلى الثقة بأن القصة القصيرة جداً يمكن أن تكون مجالًا للامتلاء لا للفراغ.
إن «وأجري خلف خولة»، بهذا المعنى، ليست مجرد مجموعة قصصية جديدة، بل اقتراح جمالي على طريقة أخرى في الكتابة؛ طريقة تجعل من الخيمة بنية، ومن الومضة موقفًا، ومن الرمز وسيلة لقول ما لا يُقال مباشرة. وهي لذلك تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة واعية في إعادة صوغ الحكاية العربية في زمن يميل إلى التبدد، ويحتاج أكثر من أي وقت إلى نص يعرف كيف يقول الكثير بأقل ما يمكن من الكلمات، ثم يترك وراءه صدى لا يهدأ بسهولة.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني










08/03/2026 - 13:43 PM





Comments