سيرينا جمال دملج *
ليست كل المفاوضات التي تُعقد بين خصمين تاريخيين مقدمةً للسلام، كما أن الحروب لا تنتهي دائمًا بتوقيع الاتفاقات. فكثيرًا ما يبقى السلام الحقيقي رهينة قدرة الدول على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مؤسساتي، وإلى ثقافة جديدة تتجاوز منطق الصراع الدائم.
من هنا، تكتسب الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، المقررة في روما برعاية أميركية، أهمية تتجاوز جدول أعمالها السياسي والأمني. فهي تمثل اختبارًا جديدًا ليس فقط لفرص تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، بل أيضًا لقدرة الدولة اللبنانية على مواصلة مسار بدأ يتبلور خلال الأشهر الماضية، عنوانه استعادة القرار الوطني وحصر مسؤولية الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية.
من إدارة النزاع إلى محاولة إنهائه
طوال عقود، انحصرت الجهود الدولية في احتواء التوتر بين لبنان وإسرائيل ومنع انزلاقه إلى مواجهات واسعة، من دون أن تقترب فعليًا من معالجة جذوره السياسية.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة. فالمفاوضات المباشرة التي استمرت عبر ست جولات، وأسفرت عن توقيع "اتفاق الإطار"، تعكس انتقالًا تدريجيًا من سياسة إدارة النزاع إلى محاولة إنهائه بصورة منظمة.
ولعل أبرز ما يميز هذا الاتفاق أنه لم يكتفِ بتثبيت إجراءات أمنية أو وقف للأعمال العدائية، بل أعلن، في مادته الأولى، نية لبنان وإسرائيل إنهاء النزاع نهائيًا، فيما نصت مادته الثانية عشرة على العمل، فور توقيعه، على تشكيل مجموعات متخصصة لإعداد اتفاق شامل للسلام والأمن.
وهذا التطور لا يمثل مجرد تعديل في اللغة الدبلوماسية، بل يعكس تغيرًا في طبيعة المقاربة السياسية التي تقودها الولايات المتحدة، والرامية إلى نقل العلاقة بين البلدين من مرحلة الهدنة المؤقتة إلى أفق أكثر استقرارًا.
الدولة في قلب المعادلة
غير أن نجاح هذا المسار لن يتوقف على نتائج الجولات التفاوضية وحدها. فالاختبار الحقيقي يبقى داخليًا، ويتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على استكمال عملية استعادة مؤسساتها، وتعزيز حضورها بوصفها المرجعية الوحيدة المخولة اتخاذ قرار الحرب والسلم، لا سيما أن التجارب السابقة أثبتت أن أي تفاهم خارجي يبقى هشًا إذا لم يستند إلى دولة تمتلك قرارها، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ التزاماتها وحماية سيادتها.
ومن هنا، فإن النقاش الدائر في لبنان حول حصرية السلاح لا يقتصر على كونه مسألة أمنية، بل يرتبط مباشرة بمفهوم الدولة الحديثة، حيث لا يمكن أن تتوزع صلاحيات استخدام القوة بين جهات متعددة إذا كان الهدف بناء استقرار دائم.
تعب الحروب
ربما يكون العامل الأكثر حضورًا في هذه المرحلة هو الإرهاق الذي أصاب الجميع. فالجنوب اللبناني دفع أثمانًا باهظة من الحروب المتكررة، كما عاش سكان شمال إسرائيل سنوات طويلة في ظل التهديدات الأمنية المتبادلة... وبين الطرفين، بقي المدنيون هم الخاسر الأكبر.
ولعل هذا الإدراك المتزايد بأن الحروب لم تعد تنتج سوى المزيد من الخسائر، هو الذي يمنح الجهود الحالية قدرًا من الجدية لم يكن متاحًا في مراحل سابقة.
فالسلام، في التجارب التاريخية الكبرى، لم يولد لأن الخصوم أصبحوا أصدقاء، بل لأنهم أدركوا أن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من البحث عن تسوية.
الدروس التي تأخر وصولها
لم يكن لبنان يفتقر، عبر تاريخه الحديث، إلى الفرص التي كان يمكن أن تفتح أبوابًا مختلفة للمستقبل. لكن الانقسامات الداخلية، والتدخلات الخارجية، وتداخل الصراعات الإقليمية مع القرار الوطني، جعلت البلاد تدور طويلًا في حلقة مفرغة من الأزمات.
واليوم، تبدو الفرصة مختلفة، ليس لأنها مضمونة النجاح، بل لأن الظروف التي تحيط بها تختلف جذريًا عن المراحل السابقة.
فإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتعزيز دور الجيش، والانفتاح على مقاربة سياسية جديدة، كلها عوامل تمنح هذا المسار بعدًا يتجاوز مجرد التفاهمات الحدودية.
السلام بوصفه مسؤولية وطنية
قد يختلف اللبنانيون في تقييم فرص نجاح هذه المفاوضات، كما قد تتباين مواقفهم من طبيعة العلاقة المستقبلية مع إسرائيل. غير أن ما يصعب تجاهله هو أن حماية لبنان تبدأ، قبل أي شيء آخر، بوجود دولة قوية، تمتلك وحدها حق القرار، وتحدد وحدها خياراتها الاستراتيجية، بعيدًا عن منطق المحاور والصراعات المفتوحة.
فالسلام، إذا تحقق، لن يكون تنازلًا عن الذاكرة، ولا إلغاءً لحقوق أحد، بل سيكون تعبيرًا عن إرادة وطنية في منع تكرار المآسي التي عاشتها الأجيال السابقة.
واليوم، قد تنجح الجولة السابعة في روما، وقد تواجه تعقيدات جديدة، فالمفاوضات الطويلة نادرًا ما تسير في خط مستقيم. لكن مجرد انتقال الحديث من تثبيت الهدنة إلى البحث في أسس سلام دائم، يمثل تحولًا يستحق التوقف عنده.
ويبقى السؤال الحقيقي أبعد من نتائج أي جولة تفاوضية: هل يستطيع لبنان أن ينجح في اختبار الدولة التي لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فحسب، بل بقدرتها على منعها عندما تصبح كلفتها أكبر من أي مكسب متخيَّل؟
وربما تكون هذه هي الفرصة الأهم التي يقف أمامها لبنان منذ سنوات طويلة؛ ليس فقط لطي صفحة من النزاعات، بل لفتح صفحة جديدة يكون فيها السلام ثمرةً لدولة قوية، لا هدنةً مؤقتة تنتظر الحرب التالية.
* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن













08/01/2026 - 06:54 AM





Comments