الرياض - كتب عبد حامد
يشهد الملف النووي السعودي تطورًا لافتًا في الأشهر الأخيرة، بعدما انتقل من مرحلة النقاش الفني والسياسي إلى مسار تفاوضي مباشر بين الرياض وواشنطن، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في موقع المملكة ودورها الإقليمي. ويبرز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في قلب هذا التحوّل، بوصفه مهندس المشروع النووي الذي تسعى المملكة من خلاله إلى امتلاك قدرة متقدمة في مجال الطاقة، وتعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في الشرق الأوسط، خصوصًا مع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطّ هذا الملف وإبدائه استعدادًا للتعاون مع الرياض في إطار تفاهمات أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة والعلاقات الثنائية.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن باتت أقرب من أي وقت مضى للموافقة على برنامج نووي سعودي مدني يتضمن حق تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية، وهو ما يُعدّ سابقة في السياسة الأميركية التي لطالما فرضت قيودًا صارمة على الدول غير النووية. هذا التطور يأتي في ظلّ مفاوضات معقدة بين الجانبين، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى تأثيرات المشهد الإقليمي المتوتر، خصوصًا مع استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي وبلوغها مستويات تخصيب عالية تثير قلق المجتمع الدولي.
ويُنظر إلى المشروع النووي السعودي بوصفه جزءًا من رؤية الأمير محمد بن سلمان لتحويل المملكة إلى دولة صناعية وتقنية متقدمة، قادرة على إنتاج الطاقة النظيفة وتلبية الطلب الداخلي المتزايد، وتقليل الاعتماد على النفط في توليد الكهرباء. غير أن البعد التقني ليس وحده ما يحرّك هذا الملف، إذ يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة المملكة على حماية مصالحها في منطقة تشهد سباقًا على النفوذ، وتواجه تحديات أمنية متصاعدة.
ويؤكد ولي العهد في أكثر من مناسبة أن السعودية لن تقبل بأن تكون خارج المعادلة النووية إذا امتلكت إيران السلاح النووي، وهو تصريح يعكس إدراكًا واضحًا لمعادلة الردع في المنطقة، ويعبّر عن رغبة المملكة في امتلاك أدوات القوة التي تضمن أمنها واستقلال قرارها السياسي. هذا الموقف، الذي أثار اهتمام العواصم الغربية، دفع واشنطن إلى التعامل بجدية أكبر مع مطالب الرياض، خصوصًا في ظلّ التنافس الأميركي - الصيني على النفوذ في الخليج، حيث تسعى بكين إلى تقديم عروض نووية غير مشروطة للسعودية، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الإدارة الأميركية ترى في التعاون النووي مع السعودية جزءًا من صفقة أكبر قد تشمل ترتيبات أمنية وتعاونًا دفاعيًا وتفاهمات سياسية تتعلق بمستقبل المنطقة، إضافة إلى احتمال دفع مسار التطبيع بين الرياض وتل أبيب، وهو ملف توليه واشنطن أهمية خاصة. وفي المقابل، تطالب السعودية بضمانات واضحة تضمن استقلالية برنامجها النووي المدني، وتسمح لها بتطوير قدرات تخصيب محلية تحت إشراف دولي، بما ينسجم مع التزاماتها في معاهدة حظر الانتشار النووي.
ويثير المشروع النووي السعودي نقاشًا واسعًا في الأوساط الغربية، إذ يرى بعض الخبراء أن امتلاك المملكة قدرة نووية متقدمة سيغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويمنح الرياض موقعًا جديدًا في المعادلة الإقليمية، خصوصًا في ظلّ التنافس مع إيران وتركيا وإسرائيل. غير أن آخرين يعتبرون أن البرنامج النووي السعودي، إذا بقي ضمن الإطار المدني وتحت رقابة دولية صارمة، قد يساهم في تعزيز الاستقرار عبر خلق توازن ردع يمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات مفتوحة.
وتؤكد الرياض أن مشروعها النووي يهدف إلى إنتاج الطاقة وتطوير الصناعات المتقدمة، وأنها ملتزمة بالمعايير الدولية، لكنها في الوقت نفسه تشدد على حقها في امتلاك برنامج مستقل ينسجم مع مكانتها الاقتصادية والسياسية. ويأتي هذا الموقف في ظلّ تحولات كبرى تشهدها المملكة، حيث تعمل القيادة السعودية على إعادة صياغة دور الدولة في الاقتصاد العالمي، وتطوير قطاعات جديدة تشمل الصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة، بما يجعل المشروع النووي جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة المدى.
وتشير التقديرات إلى أن البرنامج النووي السعودي سيخلق آلاف الوظائف، ويؤسس لقطاع صناعي جديد، ويجذب استثمارات عالمية في التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى تعزيز قدرة المملكة على مواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصًا مع توسع المدن الصناعية والمشاريع العملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية. كما سيمنح السعودية قدرة أكبر على توجيه صادراتها النفطية نحو الأسواق العالمية بدل استهلاكها داخليًا، وهو ما ينسجم مع أهداف رؤية 2030.
وتدرك واشنطن أن تجاهل مطالب السعودية لم يعد خيارًا، خصوصًا بعد التقارب السعودي - الصيني، وتنامي الدور الروسي في المنطقة، وتحوّل المملكة إلى لاعب مستقل في السياسة الدولية، قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية لا ترتبط بالضرورة بالرؤية الأميركية التقليدية. لذلك، فإن الموافقة على برنامج نووي سعودي مدني تُعدّ محاولة للحفاظ على التحالف التاريخي بين البلدين، ومنع انتقال الرياض نحو خيارات نووية بديلة قد تفتح الباب أمام نفوذ دول منافسة.
ويبدو أن السعودية، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، تتجه بثبات نحو دخول العصر النووي، في خطوة ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، وتضع المملكة في موقع الدولة القادرة على الجمع بين القوة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والنفوذ السياسي. ومع استمرار المفاوضات بين الرياض وواشنطن، يتوقع أن يشهد الملف النووي السعودي تطورات إضافية في الأشهر المقبلة، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، يكون فيها للرياض دور محوري في صياغة معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد.










07/27/2026 - 06:30 AM





Comments