السيادةُ على طاولة التفاوض: كيف تُبنى التسويات في زمن التحوًلات؟

07/27/2026 - 04:44 AM

Jonathan Amireh

 

 

د. مهى محمّد مراد

ليست كلّ الحروب تنتهي بانتصار طرف على آخر، فبعضها ينتهي عندما يدرك الجميع أنّ كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من قدرة الاحتمال.، عندها تبدأ المرحلة الأصعب: مرحلة التفاوض… غير أنّ التفاوض في القضايا المصيرية لا يكون مجرّد انتقال من صوت المدافع إلى لغة الحوار، بل يصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية مصالحها، وصيانة سيادتها، وتحويل لحظات الضعف إلى فرص لإعادة بناء الاستقرار.

وفي عالم تتغيرّ فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد قوة الدولة تُقاس فقط بما تملكه من أدوات عسكرية أو اقتصادية، بل بقدرتها على إدارة التناقضات، وقراءة التحولات، والدخول إلى طاولة المفاوضات برؤية واضحة وأهداف محددة، فالدولة التي لا تُحسن التفاوض قد تخسر على الطاولة ما لم تخسره في الميدان.

وتبدأ المفاوضات الناجحة قبل الجلوس إلى الطاولة، إنها تبدأ بالتحضير العميق، وتحديد المصالح الوطنية، ومعرفة حدود الممكن والممنوع، فالوفد المفاوض لا يمثّل أشخاصًا، بل يمثل رؤية دولة.

ومن هنا تأتي أهمية تشكيل وفد يمتلك الخبرات المتنوعة: الدبلوماسية والقانونية والعسكرية والاقتصادية، لأنّ الملفات المعقدة لا تُدار من زاوية واحدة، ولأنّ أي نقص في المعرفة قد يتحوّل إلى نقطة ضعف في مواجهة طرف أكثر استعدادًا.

لكنّ جوهر التفاوض لا يكمن في المواقف المعلنة فقط، بل في فهم المصالح الكامنة خلفها، فالمفاوض المحترف لا ينظر إلى التنازل باعتباره خسارة دائمًا، بل يراه جزءًا من عملية مقايضة محسوبة عندما يؤدّي إلى مكسب استراتيجي أكبر، وبالتالي، فإنّ الفرق بين التفاوض الناجح والفشل يكمن في القدرة على التمييز بين ما هو ثابت لا يمكن المساس به، وما يمكن استخدامه كمساحة للوصول إلى تسوية تحفظ المصلحة الوطنية.

وتزداد صعوبة هذه المهمة في الدول التي تمرّ بأزمات مركبّة، كما هي الحال في لبنان الذي يدخل أي مسار تفاوضي وهو يحمل إرث سنوات من الأزمات السياسية والاقتصادية، إضافة إلى تداعيات الحرب وتصاعد الضغوط الأمنية والعسكرية، فالمفاوض اللبناني لا يتحرك في بيئة مستقرة، بل في واقع تتغير فيه المعادلات بسرعة، حيث يصبح عامل الوقت جزءًا من الحسابات، وحيث تؤثر التطورات الميدانية مباشرة في طبيعة الخِيارات السياسية.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح الواقعية السياسية ضرورة لا خِيارًا، فالواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق أو القبول بالأمر الواقع، بل تعني قراءة ميزان القوى كما هو، وتحديد الأدوات المتاحة، واختيار اللحظة المناسبة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الوطنية، فالدول لا تُدار فقط بما ترغب به، بل بما تستطيع تحقيقه ضمن الظروف المحيطة بها.

ومن الأمثلة التي تعكس تعقيدات الدبلوماسية الحديثة التواصل بين لبنان والإدارة الأميركية خلال مرحلة الرئيس جوزيف عون والرئيس دونالد ترامب، فقد أظهرت هذه المرحلة طبيعة العلاقة بين دولة صغيرة تسعى إلى تثبيت استقرارها وحماية مؤسساتها، وقوة دولية تنظر إلى المنطقة من خلال اعتبارات أمنية واستراتيجية أوسع، وفي مثل هذه العلاقات، لا يكمن النجاح في الحصول على كل المطالب دفعة واحدة، بل في القدرة على بناء تفاهمات تحفظ المصالح الأساسية، وتمنح الدولة مساحة للحركة، وتحمي قرارها الوطني.

غير أنّ الاتفاقات لا تُقاس فقط بلحظة توقيعها، بل بقدرتها على الصمود عند التنفيذ، فكثيرٌ من التسويات التاريخية تعثرت لأنها لم تتضمن آليات واضحة للتطبيق، أو لأنّها تركت مساحات واسعة للتفسير المتناقض، لذلك فإنّ صياغة الاتفاق تحتاج إلى دقة قانونية وسياسية، وتحديد واضح للالتزامات، وآليات متابعة ورقابة تضمن الانتقال من النص إلى الواقع.

كما أنّ أيّ اتفاق يتعلق بلبنان لا يمكن فصله عن محيطه الجيوسياسي، فلبنان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، ما يجعل أي تسوية عرضة لتأثيرات خارجية مستمرة، ولذلك فإنّ قوة أي اتفاق لا تأتي فقط من قبول الأطراف الخارجية به، بل من قدرته على بناء شرعية داخلية تستند إلى مؤسسات الدولة وتمنحه الاستمرارية.

ويبقى السؤال الرئيس: ما هو السيناريو الذي يحتاجه لبنان؟

إنّ السيناريو الأكثر واقعية ليس البحث عن انتصار ظرفي، بل بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وإدارة علاقاتها، فاحترام السيادة لا يتحقق بالشعارات، وإنما بوجود مؤسسات رسمية قوية، وقرار وطني واضح، وقدرة فعلية على تنفيذ الالتزامات. والدولة التي تمتلك مؤسساتها وتستعيد ثقة شعبها ومحيطها هي وحدها القادرة على التفاوض من موقع قوة.

وبالتالي، فإنّ التفاوض ليس علامة ضعف، بل أحد أشكال ممارسة السيادة، فالدول الكبرى لم تصل إلى مكانتها لأنها رفضت الحوار، بل لأنها عرفت متى تفاوض، وكيف تفاوض، وما الذي تريد تحقيقه... وفي زمن التحولات الكبرى، يصبح فن إدارة الممكن من أهم عناصر بقاء الدول،

فالمستقبل لا تصنعه فقط موازين القوة، بل أيضًا موازين الحكمة، وعلى طاولة التفاوض تُختبر قدرة الدولة على تحويل الأزمات إلى فرص، وعلى حماية حاضرها وبناء مستقبلها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment