إيران والأذرع الإقليمية: من لبنان إلى العراق… بناء شبكة النفوذ

07/25/2026 - 20:46 PM

Jonathan Amireh


 

الحلقة الثالثة من سلسلة: "إيران... بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟"

 

في الحلقتين السابقتين تناولنا كيف تشكل المشروع الإيراني الحديث من خلال تداخل ثلاثة عناصر أساسية: الثورة، والتاريخ، والجغرافيا.

 

معتز فخرالدين *

فالثورة عام 1979 قدمت الإطار الأيديولوجي، والتجارب التاريخية عززت الشعور بالحاجة إلى الحماية، والجغرافيا دفعت إلى البحث عن عمق استراتيجي يتجاوز الحدود.

لكن السؤال الأساسي يبقى: كيف تحولت هذه الأفكار إلى واقع سياسي وعسكري على الأرض؟

الإجابة تقودنا إلى مفهوم أساسي في السياسة الإيرانية خلال العقود الماضية: بناء شبكة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة.

تقدم إيران هذا النهج باعتباره دعمًا لحركات المقاومة وحماية لأمنها القومي، بينما يرى خصومها أنه تحول إلى استراتيجية نفوذ تستخدم قوى محلية لتوسيع الدور الإيراني خارج الحدود.

الحرس الثوري... أداة تنفيذ المشروع الإقليمي

لا يمكن فهم شبكة النفوذ الإيرانية دون التوقف عند دور الحرس الثوري.

فبعد تأسيسه عقب الثورة عام 1979 بهدف حماية النظام الجديد، تطور دوره تدريجيًا ليصبح مؤسسة عسكرية وأمنية ذات حضور واسع في السياسة الخارجية الإيرانية. ومع مرور الوقت، أصبح الحرس الثوري أحد أهم الأدوات التي تدير علاقات إيران مع حلفائها في المنطقة، خصوصًا عبر فيلق القدس الذي تولى مسؤولية الملفات الخارجية.

فكرة فيلق القدس لم تقم فقط على العمل العسكري المباشر، بل على بناء علاقات طويلة الأمد مع قوى محلية تشترك مع إيران في أهداف أيديولوجية وسياسية أو أمنية. ومن هنا نشأ نموذج مختلف في العلاقات الإقليمية: بدل إرسال قوات إيرانية بأعداد كبيرة إلى ساحات متعددة، بنت طهران شبكة من القوى الحليفة التي تعمل داخل بيئاتها المحلية.

لبنان... البداية الأبرز لشبكة النفوذ

كانت الساحة اللبنانية من أهم التجارب التي ظهر فيها المشروع الإيراني خارج حدوده. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، دعمت إيران تأسيس حزب الله، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز القوى العسكرية والسياسية في لبنان.

قدم الحزب نفسه باعتباره حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وحقق حضورًا واسعًا خصوصًا بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. ويرى مؤيدو الحزب أن تجربته تمثل نموذجًا للمقاومة التي استطاعت تحقيق إنجاز عسكري وسياسي ضد إسرائيل.

لكن في المقابل، يطرح خصومه إشكالية مختلفة: كيف يمكن أن تستقيم دولة ذات سيادة مع وجود قوة عسكرية كبيرة تمتلك قرارًا مستقلًا في الحرب والسلم؟

هذه الإشكالية ظهرت بوضوح في النقاش اللبناني حول سلاح حزب الله ودوره داخل الدولة. فبينما يعتبره أنصاره عنصر قوة وردع، يرى خصومه أنه أدى إلى ازدواجية في القرار الأمني والسيادي.

السلاح والداخل اللبناني... محطة مفصلية في الجدل

لم يبقِ الجدل حول سلاح حزب الله محصورًا في مسألة مقاومة الاحتلال أو في النقاش النظري حول السيادة وازدواجية القرار الأمني، بل انتقل إلى الداخل اللبناني مع أحداث السابع من أيار/مايو 2008، التي اندلعت على خلفية قرارات اتخذتها الحكومة اللبنانية تتعلق بشبكة اتصالات الحزب وإقالة مسؤول أمني في مطار بيروت.

وشهدت تلك الأحداث سيطرة الحزب وحلفائه على أجزاء من بيروت وبعض المناطق الأخرى، قبل أن تنتهي بـ اتفاق الدوحة الذي أعاد إطلاق الحوار السياسي بين القوى اللبنانية.

ويرى منتقدو الحزب أن تلك الأحداث شكّلت نقطة تحول مفصلية، لأنها مثلت، للمرة الأولى على هذا النطاق، استخدامًا للسلاح في الصراع الداخلي، وهو ما أضعف صورة السلاح بوصفه مخصصًا حصريًا لمواجهة إسرائيل، ورسخ الانقسام حول علاقته بالدولة وسيادتها.

في المقابل، يؤكد الحزب أن ما جرى كان إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف اعتبرها تهديدًا مباشرًا للمقاومة وبنيتها الأمنية، وأنه لم يكن يهدف إلى استخدام السلاح كوسيلة لإدارة الحياة السياسية أو فرض واقع دائم في الداخل اللبناني.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الجدل في لبنان يقتصر على مشروعية سلاح حزب الله في مواجهة إسرائيل، بل امتد إلى دوره في المعادلة الداخلية، وإلى حدود العلاقة بين المقاومة والدولة، وهي أسئلة بقيت حاضرة في الحياة السياسية اللبنانية، وازدادت تعقيدًا مع توسع دور الحزب لاحقًا في ساحات إقليمية عدة.

حرب تموز 2006... مقاومة أم جزء من صراع إقليمي؟

في 12 تموز 2006 نفذ حزب الله عملية عبر الحدود أدت إلى أسر جنديين إسرائيليين، فردت إسرائيل بحرب واسعة استمرت 34 يومًا.

قدم حزب الله العملية باعتبارها جزءًا من استراتيجية المقاومة، بينما رأى منتقدوه أنها لم تكن منفصلة عن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصًا مع تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني في تلك الفترة.

انتهت الحرب بصدور القرار 1701 عن مجلس الأمن، الذي دعا إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب وترتيبات أمنية على الحدود.

لكن ما بقي بعد الحرب لم يكن فقط نتائجها العسكرية، بل سؤال سياسي أوسع:
هل أصبح لبنان ساحة مواجهة لبنانية إسرائيلية فقط، أم أنه تحول إلى جزء من صراع إقليمي تتداخل فيه حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؟

من مقاومة وطنية إلى فاعل إقليمي

شكّل حزب الله منذ تأسيسه عام 1982 إحدى أبرز أدوات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وهو الدور الذي أكسبه شرعية واسعة لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين والعرب، ولا سيما بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، ثم بعد حرب تموز عام 2006 التي عززت صورته بوصفه قوة ردع في مواجهة إسرائيل.

غير أن مرحلة ما بعد عام 2000، والتي تسارعت بصورة أكبر بعد حرب تموز عام 2006، حملت تحولات تدريجية في طبيعة دور الحزب.

فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد اعتماد إيران على شبكة حلفائها، لم يعد نشاط الحزب مقتصرًا على الساحة اللبنانية، بل أصبح جزءًا من استراتيجية إقليمية أوسع عُرفت بـ محور المقاومة.

وبرز هذا التحول بصورة واضحة مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، حين أعلن الحزب مشاركته العسكرية إلى جانب النظام السوري، مبررًا ذلك بحماية لبنان من الجماعات المتطرفة، والدفاع عن المقامات الدينية، والحفاظ على استمرارية محور المقاومة.

في المقابل، رأى منتقدوه أن هذا التدخل مثّل انتقالًا من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي إلى الانخراط في صراعات داخلية عربية، بما جعل الحزب لاعبًا إقليميًا يتجاوز دوره اللبناني.

ولم يقتصر هذا الدور على سوريا، إذ ارتبط اسم الحزب خلال السنوات اللاحقة بتقديم أشكال مختلفة من الدعم والتدريب والاستشارات لفصائل حليفة لإيران في العراق واليمن، كما وُجهت إليه اتهامات بالتورط في نشاطات أمنية في دول عربية أخرى، وهي اتهامات ينفيها الحزب أو يضعها في إطار الصراع السياسي والإعلامي معه.

وبذلك لم يعد حزب الله مجرد أحد حلفاء إيران، بل تحول إلى النموذج الأكثر تطورًا في مشروعها الإقليمي؛ فهو يجمع بين القوة العسكرية، والتنظيم السياسي، والحضور الاجتماعي، والقدرة على المشاركة في ساحات متعددة، ما جعله حجر الزاوية في شبكة النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط.

قاسم سليماني... مهندس الربط بين ساحات النفوذ

كان اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020 محطة بارزة في مسار شبكة النفوذ الإيرانية.

فسليماني لعب دورًا أساسيًا في بناء العلاقات بين طهران وحلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وعمل على تحويل هذه القوى من علاقات منفصلة إلى منظومة مترابطة تخدم أهدافًا إقليمية مشتركة.

ولهذا لم يكن استهدافه مجرد ضربة لشخصية عسكرية، بل اعتُبر حدثًا مؤثرًا في مسار الاستراتيجية الإيرانية القائمة على إدارة النفوذ عبر الحلفاء المحليين.

فقد كان سليماني يمثل العقل التنفيذي لفكرة "توحيد الساحات"، أي بناء شبكة من القوى المحلية التي تتحرك داخل بيئاتها الوطنية، لكنها ترتبط ضمن رؤية إقليمية واحدة تخدم المصالح الإيرانية. وكان العراق إحدى أهم الساحات التي ظهر فيها دور سليماني، إذ عمل على تنسيق العلاقة بين القوى السياسية والفصائل المسلحة القريبة من إيران، خصوصًا خلال الحرب ضد تنظيم داعش، ما عزز موقع طهران كلاعب مؤثر في المشهد العراقي.

مقتل حسن نصرالله... زلزال داخل حزب الله واختبار لشبكة النفوذ الإيرانية

شكّل مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله محطة مفصلية في مسار الحزب، ليس فقط بسبب موقعه القيادي الذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، بل أيضًا بسبب الشخصية الكاريزمية التي امتلكها، والتي جعلته في نظر مؤيديه أكثر من مجرد قائد سياسي أو عسكري.

فقد ارتبط نصرالله في وجدان جمهوره بصورة القائد الذي يجمع بين الخطاب الديني والسياسي، والقدرة على التأثير الإعلامي، والحضور الشخصي القوي، ما جعله رمزًا أساسيًا في هوية الحزب وصورته لدى أنصاره.

ومنذ توليه قيادة الحزب عام 1992، قاد نصرالله الحزب خلال مراحل مفصلية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وحرب تموز عام 2006، ثم مرحلة التدخل في الحرب السورية عام 2011، التي نقلت دور الحزب من الساحة اللبنانية إلى مساحة إقليمية أوسع.

ولذلك لم يُنظر إلى اغتياله باعتباره خسارة لقيادة تنظيمية فقط، بل اعتبره كثير من المراقبين حدثًا مؤثرًا في مسار حزب الله، باعتباره أحد أبرز حلفاء إيران وأكثرهم تنظيمًا وقدرة على الجمع بين العمل العسكري والسياسي والاجتماعي.

كما أعاد هذا الحدث طرح أسئلة أوسع حول مستقبل الحزب ودوره داخل لبنان والمنطقة:
هل يستطيع حزب الله الحفاظ على موقعه وتأثيره بنفس القوة بعد غياب الشخصية التي ارتبط بها مشروعه السياسي والعسكري لعقود؟
وهل تشهد المرحلة المقبلة إعادة تعريف لدور الحزب داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية؟

من إسناد غزة إلى تأكيد الارتباط بالمحور

أعاد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي تلته على غزة إبراز هذا البعد الإقليمي، عندما أعلن حزب الله فتح جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان "حرب الإسناد"، معتبرًا أن معركة غزة لا تنفصل عن معركة محور المقاومة، وأن الضغط على إسرائيل من أكثر من جبهة يشكل جزءًا من استراتيجية واحدة.

وبينما رأى مؤيدو الحزب أن هذا القرار يندرج ضمن مفهوم وحدة الساحات ودعم المقاومة الفلسطينية، اعتبر منتقدوه أن لبنان دخل مواجهة عسكرية واسعة من دون قرار صادر عن مؤسسات الدولة، وأن ذلك أكد مجددًا طبيعة الدور الإقليمي الذي أصبح يلعبه الحزب.

وفي مرحلة لاحقة، وبعد التطورات التي شهدتها المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، أعلن الحزب في بيانه الأول إطلاق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل، مبرراً العملية بأنها جاءت "ثأرًا لدم الشهيد السيد علي خامنئي"، قبل أن تتغير المقاربة الإعلامية والسياسية لاحقًا.

وقد اعتبر كثير من المراقبين أن هذا البيان شكّل مؤشرًا واضحًا على عمق الترابط بين الحزب والاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، إذ بدا أن قراراته العسكرية لم تعد ترتبط بالساحة اللبنانية وحدها، بل أصبحت جزءًا من منظومة ردع إقليمية أوسع. وهنا يبرز السؤال الذي يشكل جوهر الجدل اللبناني والإقليمي: هل ما زال حزب الله حركة مقاومة لبنانية هدفها الأساسي مواجهة إسرائيل، أم أنه أصبح أحد أهم أركان المشروع الإقليمي الإيراني، يتحرك ضمن أولويات تتجاوز حدود الدولة اللبنانية؟

العراق... الفرصة التي غيّرت ميزان القوى

إذا كان لبنان يمثل التجربة الأولى الأبرز للنفوذ الإيراني، فإن العراق يمثل التحول الأكبر. فالعلاقة بين إيران والعراق كانت تاريخيًا معقدة، خاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية التي خلفت عداءً عميقًا بين البلدين. لكن سقوط نظام صدام حسين عام 2003 غيّر المعادلة بالكامل.

فإزالة النظام العراقي، الذي كان أحد أكبر خصوم إيران، فتحت المجال أمام صعود قوى سياسية جديدة ذات علاقات وثيقة مع طهران.

استثمرت إيران الروابط السياسية والدينية والاجتماعية الموجودة، وسعت إلى بناء حضور قوي في العراق الجديد. ومع ظهور تنظيم داعش عام 2014، تعزز دور الفصائل المسلحة ضمن إطار الحشد الشعبي، وكان لبعض القوى القريبة من إيران دور مهم في مواجهة التنظيم.

ترى إيران أن دعم هذه القوى كان استجابة لخطر الإرهاب وحماية للعراق.

أما منتقدوها فيرون أن بعض هذه الفصائل تحولت إلى أدوات نفوذ تمنح طهران قدرة على التأثير في القرار العراقي السياسي والأمني.

وهنا يظهر السؤال: هل كان الهدف مساعدة العراق على بناء دولة قوية، أم بناء نفوذ داخل الدولة العراقية يجعلها جزءًا من التوازن الإقليمي الإيراني؟

لا يمكن فهم التجربة العراقية بمعزل عن النموذج الذي ظهر في لبنان؛ فكما اعتمدت إيران على قوة حليفة ذات حضور عسكري وسياسي في لبنان، عملت بعد عام 2003 على بناء علاقات وثيقة مع قوى سياسية وفصائل مسلحة في العراق. ومع ذلك، يختلف السياق العراقي عن اللبناني؛ فالعراق دولة ذات مؤسسات وجيش وموارد كبيرة، ولذلك بقي الصراع الأساسي يدور حول طبيعة العلاقة بين الدولة الرسمية والقوى المسلحة التي تمتلك نفوذًا خارج إطار المؤسسات التقليدية.

ومن هنا أصبح العراق إحدى أهم ساحات التنافس بين إيران والولايات المتحدة، وأحد أبرز الأمثلة على انتقال النفوذ الإيراني من التحالف مع دول إلى التأثير داخل بنية دول أخرى.

وهكذا، انتقلت إيران من بناء حليف رئيسي في لبنان إلى شبكة أوسع تشمل العراق وسوريا واليمن، حيث لم تعد القضية مرتبطة فقط بالحلفاء السياسيين، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالموقع الجغرافي والممرات الاستراتيجية وطبيعة الصراعات الإقليمية.

لكن هذا التوسع لم يكن مجرد انتشار سياسي، بل ارتبط أيضًا بالسيطرة على مساحات جغرافية وممرات استراتيجية تمنح إيران قدرة أكبر على التأثير في معادلات المنطقة. وهذا ما سيظهر بوضوح في التجربتين السورية واليمنية.

 

في الحلقة الرابعة:

سوريا واليمن... عندما أصبح النفوذ الإيراني قضية إقليمية

سنناقش:
- لماذا تمسكت إيران بالنظام السوري؟
- هل يتناقض شعار "المستضعفين" مع دعم أنظمة حليفة؟
- الحوثيون وباب المندب.
- هرمز والبحر الأحمر.
- كيف تحول النفوذ الإيراني إلى عامل مواجهة إقليمية؟

 

* كاتب وباحث سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment