البطريرك الحويّك… هل أخطأ في تأسيس لبنان الكبير؟

07/25/2026 - 20:37 PM

San Diego

 

بيار مارون *

اليوم، فيما ترفع الكنيسة المارونية البطريرك إلياس الحويّك إلى مصاف الطوباويين في الديمان، يعود سؤال قديم ليطرح نفسه من جديد: هل أخطأ هذا الرجل حين ذهب إلى مؤتمر فرساي عام 1919 وعاد بمشروع لبنان الكبير؟

الجواب: لا. لكن التاريخ أعقد من أن يُختزل في نعم أو لا.

في وجدان كثير من اللبنانيين، يبقى البطريرك إلياس الحويّك أكثر من مجرد بطريرك. حمل قضية وطن إلى العالم في لحظة كان وجود هذا الوطن نفسه موضع نقاش. إيمانه بلبنان تجاوز الوعظ إلى مشروع سياسي. حمل إلى مؤتمر السلام رؤية متكاملة، وخاض مفاوضات مباشرة مع القوى المنتصرة، وأسهم في انتزاع اعتراف دولي بقيام كيان لبناني، بعد قرون من الحكم العثماني، وفي أعقاب مجاعة كادت تُفني جبل لبنان.

وكان يدرك ما لم يشأ كثيرون الاعتراف به آنذاك: أن متصرفية جبل لبنان، رغم خصوصيتها التاريخية والثقافية، كانت كياناً محكوماً بالاختناق. بلا مرفأ رئيسي، وبلا سهول زراعية، وبلا موارد اقتصادية تكفي لدولة قابلة للحياة. لذلك، كان ضم بيروت وموانئها، وسهل البقاع، وعكار، والجنوب، شرطًا للبقاء، لا ترفًا توسعيًا.

كان يؤمن بأن لبنان فكرة وطنية تستحق أن تمتلك مقومات الحياة، لا مجرد مساحة على الخريطة. دافع عن دولة اعتقد أنها قادرة، إذا أُحسن بناؤها، على احتضان جميع أبنائها.

هذا لا يعني أن المشروع كان خالياً من التحديات. فالتحدي البنيوي لم يظهر لاحقاً، بل كان حاضراً منذ اللحظة الأولى. انضمت إلى الكيان الجديد مناطق كانت تضم شرائح واسعة لا ترى في لبنان المستقل الإطار السياسي الأمثل، بل كانت تميل إلى الارتباط بمحيطها العربي. ولم يكن ذلك سراً، بل واقعاً معروفاً حتى لمعاصري الحويّك.

ومع ذلك، مضى في مشروعه. رأى أن البديل يحمل مخاطر أكبر: جبل صغير محاصر اقتصادياً، أو ذوبان كامل في كيان إقليمي أوسع يفقد لبنان خصوصيته السياسية والحضارية. الأزمة، إذًا، لم تولد من فشل لاحق فحسب، بل وُلد معها تحدٍّ كان يحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد يحوّل التنوع إلى شراكة، لا إلى انقسام دائم.

أما الاعتماد على فرنسا، فلم يكن خياراً حراً بقدر ما كان انعكاساً لميزان القوى الدولي. لبنان عام 1919 لم يكن يملك جيشاً مستقلاً، ولا مؤسسات سيادية مكتملة، ولا اعترافاً دولياً يسمح له بفرض مشروعه منفرداً. وكان ذلك نتاج النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، أكثر مما كان قراراً شخصياً اتخذه الحويّك.

والحقيقة الأوسع أن لبنان الكبير لم يولد من إرادة الحويّك وحدها، بل من التقاء مشروعه مع إعادة رسم الشرق الأوسط بأكمله بعد الحرب، من اتفاقية سايكس–بيكو إلى مقررات سان ريمو ونظام الانتداب. وقد أحسن الحويّك قراءة هذا الواقع، وتفاوض ببراعة داخله، لكنه لم يرسم حدود لبنان وحده، ولم يكن صاحب القرار الوحيد فيها. لذلك، فإن تحميله وحده مسؤولية كل ما ترتب على تلك التسوية الإقليمية هو تبسيط مخل لتاريخ صنعته إرادات دولية بقدر ما صنعه رجال دولة محليون.

فمن يتحمّل المسؤولية إذًا؟ من تولّى إدارة الدولة بعد قيامها، بالدرجة الأولى، ومن قدّم ولاءات الخارج على مقتضيات بناء الدولة، بالدرجة الثانية. حاول الميثاق الوطني عام 1943 معالجة جزء من الإشكالية، ثم جاء اتفاق الطائف بمحاولة جديدة. لكن كليهما بقي إطاراً لتسوية سياسية أكثر منه مشروعاً لبناء دولة حديثة. فالمشكلة لم تكن دستورية فحسب، بل في العجز عن بناء مؤسسات قوية تحتكر القرار الوطني، وتصوغ عقداً اجتماعياً يواكب اتساع الدولة وتنوع مجتمعها.

بعد أكثر من مئة عام، قد يختلف اللبنانيون في تقييم بعض خيارات البطريرك الحويّك. لكن يصعب إنكار أنه آمن بلبنان في زمن كان وجوده نفسه موضع نقاش، وسخّر مكانته دفاعاً عن فكرة الدولة. أسهم في ولادة الكيان. أما اكتمال الدولة، فكان ولا يزال مسؤولية الأجيال التي تعاقبت عليه.

لبنان الكبير لم يكن خطأً تاريخياً، بل مشروعاً لم يُستكمل. وهذا، في جوهره، هو الفرق بين أن نحتفل بمؤسس، وأن نُكمل ما أسّسه. وربما لم يترك البطريرك إلياس الحويّك عبارة تختصر رؤيته للبنان أكثر من قوله: «لبنان ليس قطعةً من وطن، بل هو الوطن كلّه». أما التحدي الكبير، بعد أكثر من قرن، فهو ألا نكتفي بترديد هذه العبارة، بل أن نبني الدولة التي حلم بها.

 

* باحث ومحلل استراتيجي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment