عندما تتحول العواطف إلى خوارزميات تحكم المجال العام

07/25/2026 - 06:24 AM

San diego

 

 

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

لم تعد المعارك الكبرى في العصر الرقمي تُخاض بالأفكار وحدها، بل بالمشاعر التي تسبقها وتوجهها. فمن يتأمل الخطاب السائد على منصات التواصل الاجتماعي، أو يتابع السجالات اليومية، يكتشف أن الغضب والخوف والاشمئزاز أصبحت اللغة الأكثر انتشاراً، وأن الإثارة العاطفية باتت أقصر الطرق إلى جذب الانتباه وكسب التأييد. وهكذا تحولت المشاعر، شيئاً فشيئاً، من استجابة إنسانية طبيعية إلى وقود يغذي النقاش العام ويعيد تشكيله.

فخوارزميات المنصات الرقمية لا تعمل وفق معايير الحقيقة أو الجودة، وإنما وفق منطق الانتباه. وكلما أثار المحتوى انفعالاً أقوى، ازدادت فرص انتشاره. ولهذا تميل هذه الخوارزميات إلى تضخيم الأخبار والرسائل التي تستفز الخوف أو الغضب أو الاشمئزاز، لأنها تحقق معدلات أعلى من التفاعل والمشاركة.

وبهذه الطريقة، تتحول المنصات إلى فضاءات تعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي، وتغلق المستخدمين داخل ما يشبه "غرف الصدى"، حيث لا يسمعون إلا الأصوات التي تؤكد قناعاتهم المسبقة، بينما تتضاءل فرص الحوار الحقيقي أو مراجعة المواقف. ومع مرور الوقت، لا يقتصر أثر هذه الديناميكية على زيادة الاستقطاب، بل يمتد إلى إضعاف التفكير النقدي وتآكل الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع.

وفي هذا المناخ تزدهر ظاهرة ما بعد الحقيقة، حيث تصبح قوة الرسالة مرهونة بما تثيره من انفعال لا بما تتضمنه من وقائع. فالمعلومات المضللة تنتشر بسهولة لأنها تخاطب المشاعر العميقة أكثر مما تخاطب العقل، وتستثمر في الخوف والاشمئزاز والقلق، وهي مشاعر أثبت علم النفس منذ عقود أنها تستحوذ على انتباه الإنسان بسرعة أكبر من الرسائل الهادئة أو الحجج المنطقية.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينبغي أن يكون للعواطف مكان في الحياة العامة؟ فالعاطفة كانت دائماً جزءاً من السياسة ومن التجربة الإنسانية. السؤال الأهم هو: أي المشاعر نريد أن تقود مجتمعاتنا؟ وهل نقبل أن تظل المنصات الرقمية هي التي تحدد، عبر خوارزمياتها، طبيعة الانفعالات التي تهيمن على وعينا الجمعي؟

إن استمرار هذه الآليات دون مراجعة يعني مزيداً من الاستقطاب والتشظي الاجتماعي. فالقضية لم تعد تقنية فحسب، بل أصبحت قضية سلطة ومسؤولية: من يقرر أي المشاعر تستحق الانتشار؟ ومن يتحكم في تشكيل الوعي العام؟ وما الثمن الذي تدفعه الديمقراطية عندما تصبح الإثارة العاطفية أهم من الحقيقة؟

وفي هذا السياق، تستعيد أفكار هانا آرندت راهنيتها. فقد كانت تحذر من أن أخطر أشكال الشر لا تظهر دائماً في صورة العنف الصريح، بل في الاعتياد، وفي التخلي التدريجي عن التفكير المستقل. فالخطر الأكبر لا يكمن في الأكاذيب وحدها، وإنما في استعداد الناس لتلقيها دون مساءلة، وفي قبولهم السلبي لما تفرضه عليهم المنظومات الإعلامية والرقمية من تصورات وانفعالات.

إن حماية الديمقراطية لم تعد تقتصر على الدفاع عن حرية التعبير، بل تتطلب أيضاً الدفاع عن حرية التفكير، وعن قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والانفعال، وبين النقاش والحشد، وبين الاختلاف والكراهية. فالمجتمعات التي تريد الحفاظ على تماسكها لا بد أن تستعيد السيطرة على الفضاءات التي تصوغ مشاعرها، وأن تعيد الاعتبار للتربية النقدية، وللمسؤولية الفردية في إصدار الأحكام، لأن المستقبل لن تحدده التقنيات وحدها، بل نوع العواطف التي نسمح لها بأن تقود وعينا الجماعي.

 

* باحث في مجالات العلوم الإنسانية

 
 
 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment