د. سنية الحسيني
تعكس إستراتيجية الأمن القومي للرؤساء الأميركيين بدقة توجهات سياساتهم الخارجية، والتي تحكمها مصالح الولايات المتحدة غير المعلنة بالضرورة، لكن ليس من الصعب فهمها. وترتبط تلك الإستراتيجيات بتطورات سياسية في العالم وآليات تعامل الولايات المتحدة معها، بما يحقق الأهداف الأميركية، حتى وإن كان ذلك على حساب دول المناطق المستهدفة، ومن بينها حلفاؤها.
على سبيل المثال، لم تخف إستراتيجية الأمن القومي للرئيس جو بايدن عام ٢٠٢٢، والتي جاءت بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية بثمانية أشهر، توجهاته الداعمة لأوكرانيا والرادعة لروسيا، بالتركيز على دور الدعم الأوروبي للحرب، بشكل مختلف عن أقرانه. ففرقت إستراتيجية بايدن بين الصين وروسيا، معتبرة الأولى منافساً بينما الثانية تهديداً. واعتبرت الوثيقة أن الولايات المتحدة تقود رداً موحداً وحازماً على الغزو الروسي. في حين اعتبرت إستراتيجية الأمن القومي للرئيس باراك أوباما عام ٢٠١٥، التي جاءت بعد سيطرة روسيا على جزيرة القرم أنها تشكل عدواناً، لكن لم تعتبرها تهديداً. كما اعتبرت الوثيقة أن التدريبات والوجود العسكري في وسط أوروبا وشرقها يهدفان إلى ردع مزيد من العدوان الروسي، لكنها في الوقت نفسه، أبقت الباب مفتوحاً أمام تعاون أكبر مع روسيا في مجالات المصالح المشتركة.
أما الرئيس دونالد ترامب في إستراتيجيتَي الأمن القومي اللتين صدرتا خلال ولايتَيه عام ٢٠١٧ و٢٠٢٥ - وكلاهما جاءت بعد غزو روسيا للقرم عام ٢٠١٤، وغزوها لأوكرانيا عام ٢٠٢٢ - فاعتبرتا روسيا في الأولى قوة تسعى لتغيير الوضع الراهن، بينما لم تضع الثانية روسيا في نفس درجة التهديد كما فعلت إدارة بايدن. واقترحت في الأولى آليات هجينة وعديدة لردعها، بينما ركزت في الثانية على إدارة العلاقة معها لإعادة الاستقرار. وفي جميع الحالات كان وصف إدارة بايدن لروسيا وآليات ردعها أقوى وأكثر هجومية من جميع الوثائق الأخرى.
لم يخرج ذلك عن هدف اشتركت فيه الإدارات جميعاً تعلّق باعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، عكسته جميع الوثائق الإستراتيجية السابقة. فاعتبرت إستراتيجية أوباما عام ٢٠١٥ أن المخاوف تفاقمت بسبب اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي، واستعداد روسيا لاستخدام الطاقة لتحقيق أغراض سياسية. ودعت وثيقة بايدن الإستراتيجية عام ٢٠٢٢ لتقليل اعتماد أوروبا على الوقود الأحفوري الروسي بشكل صريح. في حين لم تذكر وثيقتا ترامب في العامين ٢٠١٧ و٢٠٢٥ روسيا بالاسم عندما دعت لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية. تعتبر وثيقة بايدن الأقوى من حيث اللغة الموجهة ضد الاعتماد الأوروبي على روسيا تحديداً.
لم تخف تصريحات المسؤولين الأميركيين الامتعاض من شراء الدول الأوروبية موارد الطاقة الروسية. قبل الغزو الروسي لأوكرانيا في ٢٤ شباط عام ٢٠٢٢، بلغت نسبة واردات الاتحاد الأوروبي من النفط الخام من روسيا حوالي ٢٨٪، بينما لم يتجاوز ذلك ٩٪ من الولايات المتحدة. كما استوردت أوروبا ٥٢٪ من الفحم والوقود الأحفوري من روسيا، مقارنة بـ١٥٪ فقط من الولايات المتحدة. كما حصلت دول الاتحاد الأوروبي على أكثر من ٤٤٪ من غازها من روسيا. وشكلت روسيا خامس أكبر سوق لصادرات الاتحاد الأوروبي، وثالث أكبر مصدر لوارداته. ورغم ذلك عادلت تجارة السلع الأوروبية مع الولايات المتحدة حوالي ٢.٥ ضعف التجارة مع روسيا، وإن بقيت روسيا منافساً خطيراً للولايات المتحدة مع أقرب حلفائها.
قد تفسر تلك الأرقام والنسب مواقف لدول أوروبية عظمى مثل ألمانيا وفرنسا سعت لإيجاد حل سلمي بين روسيا وأوكرانيا. قبل الحرب وفي سياق التصعيد، وقّعت الولايات المتحدة وأوكرانيا في العام ٢٠٢١ ميثاقاً محدثاً للشراكة الإستراتيجية، أكد على دعم تطلعات أوكرانيا الأوروبية الأطلسية ومسار عضويتها في الناتو. في حين اعتبرت المانيا وفرنسا تلك التطورات مؤججة للأزمة، ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون روسيا جزءاً من المحيط الأوروبي تاريخياً وجغرافياً. جاء ذلك في ظل اعتبار روسيا أن توسيع الناتو شرقاً باتجاه أوكرانيا، والوعد بمنحها العضوية، وتدريبها وتسليحها، تشكل عوامل تهديد وبيئة مواجهة.
نتيجة هذه الحرب الدائرة، تكبدت أوروبا كلفة اقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة، وبقيت أسعار الطاقة والقدرة التنافسية والإنفاق الدفاعي واللاجئون من التحديات الطويلة الأمد. ويصف المجلس الأوروبي الحرب وتداعياتها بأنها «تحدٍّ وجودي للاتحاد الأوروبي».
لا يختلف الأمر كثيراً عند تتبع إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي في منطقة الشرق الأوسط للإدارات الأربع الأخيرة، والتي انتهت بالحرب الطاحنة ضد إيران، وتضررت من جرائها جميع دول المنطقة، ولا تزال تطوراتها وتبعاتها مجهولة. وتكشف إستراتيجيتا ترامب للأمن القومي في العامين ٢٠١٧ و٢٠٢٥، خلال ولايتَيه، ترجيح انفجار الحرب مع إيران وتصاعدها في عهده مقارنة بأنداده الذين سبقوه.
اشتركت إستراتيجيات الإدارات الأربع بدءاً من عهد أوباما عام ٢٠١٠ وصولاً لعهد ترامب عام ٢٠٢٥ بإستراتيجية الالتفاف عن الشرق الأوسط نحو آسيا، والاعتماد على الحلفاء للدفاع عن أنفسهم وردع الأعداء. ومع ذلك يبدو تباين المواقف فيها تجاه إيران، رغم اعتبارها من قبل جميع وثائق الإدارات مصدراً للاضطراب في المنطقة. دعت إستراتيجية أوباما في العام ٢٠١٠ إيران للاندماج في المنطقة، بينما تطرقت إستراتيجيته في العام ٢٠١٥ للسعي مع الحلفاء لإبرام اتفاق معها. ورجحت إستراتيجية بايدن المسلك الدبلوماسي للتعامل معها، لكن دون استبعاد الخيارات الأخرى.
على النقيض تعامل ترامب مع إيران بشكل مختلف منذ ولايته الأولى، فاعتبر في الإستراتيجية الصادرة في العام ٢٠١٧ أن إيران خصم إقليمي رئيس، وأنها مزعزعة للاستقرار، وشدد على السعي لحرمان النظام الإيراني من الوصول للسلاح النووي وتحييد نفوذه في المنطقة. وتصف الوثيقة، التي صدرت في حزيران العام الماضي، بعد أشهر قليلة على الحرب، أن القوة العسكرية الأميركية استُخدمت بالفعل ضد برنامجها النووي، وتعتبر إضعاف إيران عنصراً إيجابياً أعاد تشكيل الشرق الأوسط. تكشف إستراتيجية ترامب بجلاء سياسته الموجهة لتدمير إيران لا التفاهم معها، على عكس استراتيجيات أوباما وبايدن التي رجحت إمكانية احتوائها.
ارتبط ذلك بشكل مباشر أيضاً بإستراتيجية الولايات المتحدة تجاه ترتيب العلاقات بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. مثلت إستراتيجية ترامب لعام 2017 تحولاً واضحاً ارتبط بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فاعتبره عقبة أساسية أمام السلام الإقليمي وتحقيق تعاون اقتصادي وسياسي أكبر في مواجهة إيران. وترجم ذلك باتفاقيات أبراهام التي روّج لها في العام ٢٠٢٠. وتبنى بايدن في إستراتيجيته للأمن القومي عام ٢٠٢٢ ما روج له ترامب حول التطبيع واتفاقيات أبراهام، رغم إشارتها لحل الدولتين. على النقيض، لم تظهر فكرة التطبيع كمسار إقليمي مستقل عن القضية الفلسطينية في إستراتيجيتَي أوباما لعامَي ٢٠١٠ و٢٠١٥.
تبنى ترامب مساراً عملياً ليتخطى عدم النجاح الكامل في المسار السياسي التطبيعي الإقليمي، فأعلنت وزارة الدفاع في ١٥ كانون الثاني ٢٠٢١، في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب الأولى، تعديل خطة القيادة الموحدة CENTCOM، بنقل إسرائيل إليها من نطاق القيادة الأوروبية EUCOM. منذ تأسيس القيادة المركزية في العام ١٩٨٣، بقيت إسرائيل خارج نطاقها، وأُلحقت بالقيادة الأوروبية الأميركية، بسبب مقاطعة معظم الدول العربية الواقعة ضمن نطاق القيادة المركزية إسرائيل. سمح ذلك القرار بأن تشارك إسرائيل مع الشركاء العرب في إطار تلك المنظومة. وبدأ التطبيق العملياتي في عهد بايدن. وتم تحديد مجال الدفاع الصاروخي كأحد أهم مجالات التعاون بحجة التهديد الذي تمثله الصواريخ الإيرانية. في نيسان من العام ٢٠٢٤، ظهر أوضح تطبيق علني لشبكة الدفاع الإقليمي، عندما أطلقت إيران أكثر من ٣٠٠ صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل.
لا يمكن فصل موقف ترامب وإستراتيجياته عن تطورات سياسية شهدتها المنطقة في فترة ولايته، يمكن أن تتسبب في تقويض معادلات الصراع التي تسعى واشنطن لإرسائها، وقد تكون أحد أسباب التصعيد الأميركي ضد إيران اليوم. شكل تطور العلاقات الخليجية مع روسيا والصين وإيران في مسارات متوازية بالتزامن، بعد تبني دول الخليج سياسة تنويع الشراكات الدولية، وخفض التوتر مع الجوار، تهديداً لمخططات واشنطن. بدأت مؤشرات التحول تظهر بوضوح بعد عام ٢٠١٩، خصوصاً بعد الهجمات على منشآت «أرامكو» في بقيق وخريص، وما أثارته من أسئلة خليجية بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للدخول في مواجهة مباشرة دفاعاً عن شركائها.
استمر التعاون النفطي بين دول الخليج وروسيا بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في العام ٢٠٢٢، ولم تنضم دول الخليج إلى نظام العقوبات الغربية الشامل على موسكو. وواصلت السعودية والإمارات والكويت وعُمان والعراق التنسيق مع روسيا ضمن «أوبك بلس» في تخفيضات الإنتاج وإدارة السوق وبقيت شريكاً أساسياً لهم. واعتمد مجلس التعاون الخليجي والصين في قمة الرياض في العام ٢٠٢٣ تعزيز «الشراكة الإستراتيجية القائمة»، وأصبحت الصين الشريك التجاري الأهم لعدد من دول الخليج. وأعلنت الصين في ذلك العام الاتفاق السعودي الإيراني النهائي في بكين لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وخفض التصعيد.
لعله بات من الواضح أن التعويل على واشنطن من قبل دول المنطقة قد لا يصب في مصالحها. وقد تسببت سياسات واشنطن بالفعل في إلحاق أضرار واسعة بعدد من دول المنطقة. لم تخف دول الخليج عدم رغبتها في شن الولايات المتحدة حرباً على إيران، في ظل علمها بواقع المنطقة ومشكلاتها، في حين لم تراع إدارة ترامب مصالح الحلفاء الخليجيين، معرضة دول المنطقة للخطر. لعل دول الخليج أكثر من يستطيع الضغط على واشنطن اليوم لوقف الحرب، بسبب وجود القواعد الأميركية في أراضيها، وتحملها تكلفة حرب لا تعنيها، ناهيك عن الأضرار الاقتصادية التي تتكبدها بسبب اغلاق مضيق هرمز مفتاح الحياة لاقتصادها.
يواجه الفلسطينيون أعقد التحديات في ظل حقبة ترامب. لم تتخلَ أي من الإدارات الأميركية عن التزامها العميق بإسرائيل وأمنها، بينما تخلت تدريجياً عن التزامها تجاه الفلسطينيين. أشارت إستراتيجية أوباما عام ٢٠١٠ إلى حل دولتين ينهي الاحتلال، وطرحت إستراتيجيته في العام ٢٠١٥ إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، واعتبر بايدن في إستراتيجيته لعام ٢٠٢٢ امكانية وجود دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ مع تبادل متفق عليه للأراضي. على جانب مختلف، طرحت إستراتيجية ترامب في العام ٢٠١٧ فكرة اتفاق يكون مقبولاً لكل من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين، ووصفت وثيقته في عام ٢٠٢٥ الصراع بأنه لا يزال شائكاً، في ظل سياسة تتجاهل تماماً الفلسطينيين. فماذا يمكن أن يتوقع الفلسطينيون من مجلس السلام ومن وقف إطلاق النار وكل ما جاءت به قرارت ترامب للفلسطينيين؟












07/23/2026 - 07:57 AM





Comments