في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو... ماذا بقي؟

07/23/2026 - 07:43 AM

Jonathan Amireh

 

 رشيد ج. مينا

في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو، ليس المهم أن نسأل: هل نتفق مع جمال عبد الناصر أم نختلف معه؟

أو: هل كانت الثورة خالية من الأخطاء أو مكتملة الإنجازات؟ بل السؤال الحقيقي هو: ماذا بقي من ثورة يوليو بعد أربعة وسبعين عامًا؟

يكفي أن نقارن بين ما كانت عليه مصر، بل والوطن العربي، قبل الثورة، وما أصبحت عليه المنطقة بعدها، ثم بما آلت إليه اليوم، لندرك أن ثورة يوليو لم تكن مجرد تغيير في السلطة، بل محطة تاريخية أعادت تشكيل كثير من المفاهيم السياسية والاجتماعية والقومية في العالم العربي.

لقد جاءت الثورة انعكاسًا لإرادة شعبية كانت تطمح إلى التخلص من الاحتلال والهيمنة الأجنبية، وإقامة دولة وطنية مستقلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء جيش وطني قوي، واستعادة القرار الوطني، ومنح المواطن شعورًا بالكرامة والانتماء والمشاركة في صناعة مستقبل بلاده.

ولم تقف حدود هذا المشروع عند مصر، بل امتدت رؤيته إلى الفضاء العربي الأوسع، حيث ارتبطت الثورة بفكرة القومية العربية، وبالسعي إلى تعزيز التضامن العربي، ودعم حركات التحرر الوطني، وجعلت من القضية الفلسطينية ركنًا أساسيًا في مشروعها السياسي والقومي، باعتبارها قضية تحرر وكرامة وهوية، لا قضية شعب وحده.

ومن هنا، لم تكن فلسطين ملفًا سياسيًا عابرًا في سياسة جمال عبد الناصر، بل كانت جزءًا من رؤية متكاملة لمستقبل الأمة العربية، وهو ما جعلها حاضرة في خطابه، وفي سياساته، وفي وجدان الملايين من العرب الذين رأوا في الدفاع عنها دفاعًا عن مستقبلهم وهويتهم.

ولا يعني ذلك أن الثورة كانت بمنأى عن الأخطاء، أو أن كل سياساتها حققت النتائج المرجوة، فالتجارب الكبرى لا تخلو من الإخفاقات، كما لا تخلو من الإنجازات. وقد يختلف الباحثون والمؤرخون في تقييم كثير من قراراتها، لكنهم يصعب أن يختلفوا حول حقيقة أنها تركت أثرًا عميقًا في تاريخ مصر والمنطقة، وأنها ما زالت، حتى اليوم، حاضرة في كل نقاش يتناول الدولة، والاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والقومية العربية، وفلسطين.

وربما يكون أكبر دليل على ذلك أن ثورة يوليو ما زالت، بعد أربعة وسبعين عامًا، موضوعًا للنقاش والحوار والاختلاف. فهناك من يراها بداية نهضة عربية، وهناك من يحملها مسؤولية مسارات لاحقة، لكن الجميع، مؤيدًا كان أم معارضًا، يجد نفسه مضطرًا للوقوف عندها، لأنها لم تكن حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية غيّرت وجه المنطقة لعقود.

ولو أردنا أن ننظر إليها بعيدًا عن العاطفة والانفعال، لوجدنا أن الثورات لا تُقاس بما يقال عنها بعد وقوعها، بل بما تتركه من أثر في وجدان الشعوب وفي مسار التاريخ. وثورة يوليو، مهما تعددت القراءات حولها، ما زالت حاضرة في الذاكرة العربية، لأنها عبّرت في لحظتها عن طموحات شعب، وأثرت في أحلام أمة، وتركت بصمتها في زمن كان يبحث عن الحرية والاستقلال والكرامة.

رحم الله جمال عبد الناصر، فقد رحل الإنسان، وبقيت ثورة يوليو، بما لها وما عليها، حاضرة في الوعي العربي، وفي كل حديث عن الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية، والوحدة العربية، وفلسطين. ولعل أعظم ما يمكن أن يقال في ذكراها اليوم، ليس تمجيدها ولا إدانتها، بل أن نقرأها بعين التاريخ، وأن نقارن بين ما كنا عليه، وما أصبحنا عليه، وأن نتساءل بصدق: هل ما زالت الأمة تمتلك الإرادة التي صنعت تلك اللحظة التاريخية، أم أنها ما زالت تبحث عنها؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment