حينما تهتز الثقة في الصديق

07/22/2026 - 16:26 PM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم عادل الحلبي 

عجبًا لما حدث لك يا صديقي.. أنظر إلى صورتك الآن، ولا أصدق عيناي، وجهك تغير، وملامحك تبدلت من جديد كتمثال من حديد، وذهب النور الرائع الذي كان يباهي شمس النهار، رغم أن الفراق بيننا لم يكن ببعيد، إلا أنني أشعر الآن كأن ما بيننا مراكب فارقت الديار منذ عِقود من زمان.. سبحان الله الذي يمهل ولا يهمل.

هل سرقني الزمن، بعيدًا عن عالمك.. أم أنني كنت في غفلة من هذا.. أم أن سحابة قد حالت بيني وبينك، أم ضعف مني البصر، وجعل على عيني غشاوة، أم أن أمر ما كان بيديك، ووجدت في غيري من لم يكن لك مرايا ليزعجك فا خترت أن تخرج من قلبي وعباءتي إلى حيث دنياك.. فلم تعد عيناي تراك؟.

على كل حال .. الحمد لله صاحب العز والسلطان الذي أراني صورتك على ما هي عليه الآن، ولكني حزين لأن الزمن اقتص منك ابتسامة الفرح التي تحاول أن ترسمها بنفسك على جدار وجهك الذي تبدل لونه، وما أنا بالشامت، ولكني لم أكُ أتصور أن الزمن كفيل بأن يقلب موازين الحياه، إلى هذا الإتجاه بهذه السرعة الجنونية.

هكذا الدنيا يا من كنت صديقي مواقف لا تنسى، مرها وحلوها، إذا اراد ألإنسان أن يُسقط نفسه في جب لحاجة في نفسه، فلن تستطيع أن ترفعه عيون العالم من جُبهِ، ولو اجتمع بعضهم لبعض ظهيرا، وإن أراد أن يسمو بنفسه ويتعفف، فسوف يخطو كالطير على قلوب البشر، وإذا ارتفع فتمهل أن تحكم عليه بأنه ملاك غسلته وباركته يد السماء، وانتظر حتى يأذن الله في أمره إما أن يعزه بحبك أو يطرده من قلبك.

لذا دع عنك الفراسة، وما تدعيه عن نفسك من حاستك السادسة أو العاشرة، ونحي العواطف جانبًا، أو الق بها في صندوق أيامك، ولا تأمن لأصابعك فقد يخدشك "ظُفرك" فكن عليه الرقيب، وقلمه إن كبر، حتى لا يخدش غيرك، فبعض الجراح تصيب جلودنا، وبعضها يصيب قلوبنا في مقتل لا تداوية الأيام.  

يا هذا.. قبل أن تحاسب نفسك ضع الله الوكيل على أوراق المسئلة، وإياك وأن تكتب يدك زورًا فإن الذي خلقك فسواك يراك، ولن تستطيع أن تختبئ منه أو تعجز أو تعزب عليه، فإن الأمانة عرضها الله جل في علاه على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا.

خسارة ثقيلة في الدنيا، لكنها مؤلمة حينما يسقط منا صديق أو عزيز، اختار أن يرحل عنا من أقرب طريق، فراقه بالطبع سينتهي، ولن تتوقف أمامه مسيرة الحياة، سامح الله الزمن، فقد فضح الكثير والكثير ممن تحلو بالعطور، وارتدوا الحلل الحرير، السنتهم كشقشقة العصافير، حديثهم أعذب وارق من المزامير، كنت تراهم فتحسبهم نور من فوقهم نور، ورحابهم روضة وحبور، وإذا ما إنتثروا حسبتهم لؤلؤ منثور.. لكن هيهات هيهات يفضح النهار ما دُبر في الليل من مكيدة.. وتتساقط الأقنعة المزيفة عن الوجوة.

يا هذا المتوج بالكهولة.. أين الرجولة.. وقد غاب عنك الصدق، واقبلت على الدنيا تغرف منها حيث شئت، وطننت أن «الأراجوز» الذي يسكن فيك ليرحب بهذا وذاك ويوزع الابتسامات أنه حاز حب الناس. 

لا والله.. فما أكثر الذين أجادوا التمثيل في هذا الزمان ستراهم يحيونك بأحسن منك من وراء حجاب، فلا تغرنك بيض الأسنان إن ضحكت لربما دعا عليك القلب والعين بكت. 

فتش في صدرك عن قلبك، وفتش في قلبك عن الدنيا، أنت محاسب على ما كسبت يداك وما أثمت، ولا تجعل من تأمين ذريتك وسيلة أو غاية لتأكل في بطنك ما ليس لك، وتذكر قول الحق تبارك وتعالى (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا). 

أراك اليوم، تقدمت صفوف العجائز، وظهرت عليك تجاعيد الزمن، ولم يعد منك غير شبح من الماضي اصابه هزال! 

أسألك بالله.. هل نظرت إلى المرآه، وتحسست وجنتيك وشفتيك.. بالطبع لا ؟ 

رسالتي إليك نصيحة يا من أحببت الدنيا، وحرصت عليها، وركضت فيها كحصان جامح، صارع نفسه، ودهس بسنابكه القيم والأخلاق ليجمع الأموال، ونسى أن الدنيا ستجمعه في بطنها. 

أيها «البهلوان» ليتك تعي مصيرك بأنك ستموت فقير رغم أنفك، وإن لم تصدقني.. أجبني إذ سألتك «كم ستأخذ معك في كفنك غير قطنة وخيوط، وبعض من حنوط؟».  

هذا المال الذي بين يديك غدًا سترحل عنه، ويرحل عنك، وثق بأني لست حزين منك .. بل حزين عليك!  

 

نسأل الله العظيم جلت قدرته، وتعالت عظمته أن يُنوّر قلوبنا في الدنيا، وقبورنا في البرزخ، ووجوهنا في الآخرة.. اللهم خذنا منا إليك، ولا تخزنا ولا تفضحنا يوم العرض عليك، اللهم اجعلنا معك في طاعة، واجعلها خير بضاعة، وحببنا في صلاة الجماعة، وذكرنا بالموت كل ساعة .. اللهم تولنا تحت التراب إذا غُلقت الأبواب، وانصرف عنا الأهل والأحباب، وتقطع منا الأرحام والأنساب، ونسينا الصحاب، اللهم اجعلنا من أهل اليمين، وأحشرنا تحت لواء سيدنا الحبيب خاتم الأنبياء والمرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment