الكذبة التي تتحوّل إلى حياة

07/22/2026 - 09:46 AM

A

 

 

مفيد خطّار

مأساةُ الإنسان أن يدخلَ التاريخ ثم يخرجَ منه، وكأنّه ممثّلٌ أدّى دورًا على مسرح الحياة، ثم أُسدِل الستار، فابتلعه النسيان. يصبح اسمُه فعلًا ماضيًا: كان هنا... ثم لم يعد.

قد يعمل الإنسان أعمالًا عظيمة، ويترك بصماتٍ مميّزة، ويسلك دروبَ التعب، لكنّ التراب يحفظ جسدَه، ولا يحفظ بالضرورة حضوره.

غير أنّ بعض الذين رحلوا لم يرحلوا حقًّا. فوجودُهم لم يتحوّل إلى فعلٍ ماضٍ، بل بقي فعلًا مضارعًا. لا نقول: قالوا، بل يقولون. ولا نقول: أعطوا، بل يعطون. ولا نقول: أحبّوا، بل يحبّون.

إنّهم ما زالوا يتصرّفون بحكمةٍ في ضمائرنا، ويمنحون بسخاءٍ دون مقابل، ويضيئون دروبنا بأفكارهم وسيرتهم. غابوا عن العيون، لكنّهم بقوا في الحياة؛ لأنّ الحقيقة لا يدفنها التراب.

ومن بينهم من نالوا شرف الشهادة، فبذلوا حياتهم من أجل الوطن والحقّ. هؤلاء لم يتركوا ذكرى فحسب، بل تركوا معنىً حيًّا، حتى غدت كلماتٌ كثيرة تُقرأ في ضوء تضحياتهم، لا كما كانت تُقرأ من قبل.

فكلمة «كذبة»، مثلًا، لم تعد تعني فقط نقيض الصدق، بل أصبحت تصف حالةً وجوديةً يعيشها الإنسان. فالكذبة قد تكون مشروعًا بلا رسالة، وانتصارًا بلا حقيقة، ونجاحًا بلا قيمة، وإيمانًا بلا محبّة، وسلطةً بلا عدالة، وحياةً بلا معنى.

وهكذا انتقلت الكذبة من كونها لفظًا يُقال إلى واقعٍ يُعاش. وأخطر الكذبات ليست تلك التي ينطق بها اللسان، بل تلك التي تتحوّل إلى أسلوب حياة، حتى يعتادها الإنسان ويظنّها الحقيقة.

وحين تتحوّل الكذبة من اختيارٍ فردي إلى ثقافةٍ جماعية، تبدأ مأساة الشعوب. فالمجتمع الذي يستسلم للوهم يفقد قدرته على رؤية ذاته، ولا يعود قادرًا على بناء وطنٍ يقوم على الحقيقة والعدالة والرجاء.

لأنّ الكذبة، بمعناها الوجودي، ليست مجرّد مخالفةٍ للحقيقة، بل موتٌ يتسلّل إلى الضمير، فيُفرغ الإنسان من قدرته على التمييز بين الحقّ والوهم.

فكيف يمكن لمن يسكن الوهم أن يبني حياة؟ وكيف لأمّةٍ تتغذّى على الأوهام أن تصنع مستقبلًا؟ إنّ الأوطان لا تنهار فقط عندما تُهدم مبانيها، بل عندما تُهدم المعاني التي تمنحها سبب وجودها.

وفي لبنان، تتجلّى هذه المأساة في صورٍ مؤلمة. فثمّة من لا يكتفي بأن يعيش الكذبة، بل يجعلها حقيقةً مطلقةً في وعيه، ثم يحاول أن يجعل الآخرين أسرى لها، حتى يصبح الاعتراض عليها خروجًا عن المألوف، والتمسّك بالحقيقة موقفًا شاقًّا.

يا لبؤس وطنٍ يُراد فيه للإنسان أن يتخلّى عن عقله وضميره ليصدّق ما يعرف في أعماقه أنّه ليس حقيقة. فالكذبة لا تصبح حقيقةً لأنّها تُكرَّر، ولا لأنّ قوّةً ما تحاول فرضها؛ بل تبقى كذبة، ولو صفّق لها كثيرون.

وغاب عن بال من يعيشون الكذبة أنّ لبنان ليس مجرّد أرضٍ تتقاسمها المصالح، بل كلمةٌ صادقةٌ قيلت في التاريخ، وما زالت تتردّد على مسرح الحياة أمام جمهورٍ منتشرٍ في أصقاع الأرض.

فلبنان الذي نؤمن به هو لبنان الصدق، والأمانة، والرجاء، والإيمان، والمحبّة، والشراكة. وهذه ليست شعاراتٍ عابرة، بل المعنى الذي يمنح الوطن حياته.

قد تربح الكذبة جولةً، وقد تفرض خوفها زمنًا، لكنها تحمل في داخلها بذور فنائها؛ لأنّها منفصلة عن الحقيقة.

أمّا الحقيقة، فتبقى فعلًا مضارعًا لا ينتهي. والإنسان الذي يجعل حياته عطاءً وحبًّا وحقًّا، وإن غاب جسده، يبقى حاضرًا في الزمن؛ لأنّ المحبّة لا تُصرَّف بالفعل الماضي.

فأكبر كذبةٍ ليست أن يقول الإنسان كلامًا كاذبًا، بل أن يعيش الكذبة حتى ينسى شكل الحقيقة. وأكبر انتصارٍ ليس أن يُخضع الإنسان غيره لقوّته، بل أن يختار الحياة حين تُعرض عليه الكذبة كأنّها قدر.

لأنّ الصدق، والأمانة، والرجاء، والإيمان، والمحبّة... هي الحياة. والحياة وحدها تبقى. أمّا الكذبة، فمهما طال زمنها، فلا مستقبل لها؛ لأنّ الحقيقة وحدها تعرف كيف تبقى.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment