من الضجيج إلى الشهادة - حين تكون الأزمة في معرفة الإيمان لا في الهجوم عليه

07/22/2026 - 08:31 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

المسيح لا يحتاج إلى من يحميه... بل إلى من يشهد له.

الكنيسة في تاريخها الطويل ليست غريبة عن الأسئلة، ولا عن النقد، ولا حتى عن الهجوم. فمنذ أن قال السيد المسيح: «إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضاً»، أصبح واضحاً أن الإيمان المسيحي لن يعيش في منطقة الراحة، بل في ميدان الشهادة والحوار والصليب. ولهذا، فإن أي هجوم على المسيحية أو على شخص السيد المسيح، مهما كان مصدره، لا ينبغي أن يكون مناسبة للغضب والانفعال بقدر ما يجب أن يكون مناسبة لمراجعة الذات والسؤال: هل عرفنا نحن المسيح حقاً؟

إن قوة المسيحية لم تكن يوماً في إسكات الخصوم، بل في إعلان الحقيقة بمحبة. فالحق لا يحتاج إلى صراخ كي ينتصر، لأنه يحمل في ذاته قوة البقاء.

المسيحية ليست ديناً يقوم على الدفاع عن إله ضعيف يحتاج إلى حماية البشر، بل هي إيمان بإله تجسد، وقبل الصليب، وانتصر بالمحبة لا بالسيف.

لذلك فإن الرد المسيحي الحقيقي لا يكون بالشتيمة، ولا بالتحريض، ولا بالمطالبة بإسكات الآخرين، وإنما بالمعرفة والبرهان والمحبة.

فالقديس بطرس يقول: «كونوا مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف.»

إن المسيحي الذي لا يعرف كتابه المقدس، ولا يفهم عقيدته، سيشعر بالخوف من أي سؤال، بينما المؤمن العارف لا يخشى النقاش، لأنه لا يعتمد على انفعاله بل على الحقيقة.

أزمة الكنيسة ليست في وجود المشككين... بل في ضعف التكوين الروحي

لقد عرف التاريخ المسيحي فلاسفة وملوكاً وأباطرة وحركات كاملة حاولت إسقاط المسيحية، ومع ذلك بقي الإنجيل حياً، لأن الكنيسة لا تقوم على قوة الأشخاص، بل على وعد المسيح: «وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.»

لكن هذا الوعد لا يعفي المؤمنين، ولا الرعاة، من مسؤولية التعليم الصحيح. فالكنيسة التي تكتفي بالإدارة وتنسى التعليم، وتنشغل بالمظاهر أكثر من الكلمة، وتغفل عن تكوين المؤمنين، ستجد أبناءها عاجزين أمام أبسط سؤال عقائدي. وهنا تصبح المشكلة داخل البيت أكثر منها خارجه.

الإكليروس مدعو أولاً إلى أن يكون معلماً للكلمة

المسيح عندما أقام الرسل لم يرسلهم ليكونوا أصحاب نفوذ، ولا رجال بروتوكول، ولا شخصيات اجتماعية، بل قال لهم: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم.

فالرسالة الأولى للكاهن والأسقف والبطريرك هي إعلان الإنجيل. وحين تتراجع أولوية الكلمة أمام أولوية الإدارة أو السياسة أو الظهور الإعلامي، تبدأ الكنيسة تدريجياً بفقدان رسالتها الأساسية. ولا يعني هذا التقليل من شأن المسؤوليات الإدارية، لكنها تبقى وسائل، أما الغاية فهي خلاص الإنسان.

النقد ليس عداءً... إذا تحول إلى مراجعة

ليس كل من ينتقد الكنيسة هو عدواً لها، وأحياناً يسمح الله بأن تأتي الأسئلة المؤلمة لتوقظ الضمير الكنسي. فالكنيسة عبر التاريخ كانت تتجدد كلما عادت إلى الإنجيل. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من هاجم الكنيسة؟ بل: هل نحن أوفياء لما أوصانا به المسيح؟ وهل أوصلنا الإنجيل إلى المؤمنين كما ينبغي؟

بين الدفاع عن المسيح والدفاع عن صورتنا

كثيرون يغضبون لأن صورة جماعتهم أو مؤسستهم تعرضت للنقد، لكن المسيحية ليست دفاعاً عن صورة بشرية، إنها دعوة دائمة إلى التوبة. ولهذا فإن الكنيسة القوية هي التي تملك شجاعة الاعتراف بالتقصير قبل أن تطالب الآخرين باحترامها. فالقداسة لا تُفرض بالقوانين، بل تُكتسب بالشهادة.

المعرفة هي السلاح الحقيقي

لا يمكن مواجهة الشبهات بالصراخ، ولا يمكن حماية الإيمان بالمنع. الإيمان يحيا بالمعرفة. ولهذا ينبغي أن تعود دراسة الكتاب المقدس واللاهوت وتعليم العقيدة إلى قلب الحياة الرعوية. فالجيل الجديد لا يكتفي بالشعارات، بل يسأل ويبحث ويقارن، وإن لم يجد الجواب داخل الكنيسة، سيبحث عنه في أماكن أخرى.

دعوة إلى نهضة روحية

ليست الحاجة اليوم إلى معارك إعلامية جديدة، بل إلى نهضة روحية حقيقية تعيد المسيح إلى المركز، والإنجيل إلى المنبر، والتعليم إلى الرعية، والقداسة إلى الخدمة، والمحبة إلى الحوار.

إن المسيحية لم تنتشر لأنها امتلكت السلطة، بل لأنها امتلكت الحقيقة والمحبة. وكل أزمة تواجهها الكنيسة يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا دفعتها إلى العودة إلى منابعها الأولى.

فليكن كل سؤال فرصة للبحث، وكل نقد فرصة للتوبة، وكل هجوم فرصة للشهادة. فالكنيسة لا تنتصر عندما تُسكت الأصوات المخالفة، بل عندما يلمس العالم في أبنائها صورة المسيح الحي.

وعندها فقط يصبح الجواب الأعظم على كل تشكيك، ليس خطاباً غاضباً، بل حياةً مملوءة بالإيمان والعلم والمحبة والقداسة.

اعرفوا الحق، والحق يحرركم. (يوحنا 8:32)

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment