رشيد ج. مينا
ليس الحديث عن السلام بين العرب وإسرائيل أمرًا مستجدًا أو طارئًا، بل هو مسار يمتد لعقود طويلة، شهد مبادرات ومحاولات واتفاقات متعددة، انطلق بعضها من اتفاقات الهدنة، وتطور مع البعض الآخر إلى اتفاقيات سياسية، من كامب ديفيد، إلى أوسلو، ووادي عربة، واتفاق السابع عشر من أيار الذي سقط قبل أن يجف حبره، مرورًا بتفاهمات تموز 2006، والاتفاقيات الإبراهيمية، وما أعقب عملية طوفان الأقصى من تحركات ومبادرات إقليمية ودولية، وصولًا إلى مجلس السلام الذي أُعلن عنه بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فضلًا عن المبادرة العربية للسلام القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.
وعلى امتداد هذه المحطات، بقي السؤال حاضرًا: هل نحن أمام محاولات لإنهاء الصراع، أم لإدارته؟ وهل كانت تلك الاتفاقات تؤسس لسلام حقيقي، أم أنها كانت محاولات لتنظيم الصراع وتخفيف تداعياته وفق موازين القوى والمصالح الدولية والإقليمية؟
اليوم، ومع المفاوضات الجارية بشأن لبنان، في ظل السعي إلى وقف العدوان الإسرائيلي، والحديث المتزايد عن إنهاء حال الحرب والعداء بين لبنان وإسرائيل، ووسط ضغوط وتحركات تقودها الولايات المتحدة وتحظى بدعم عربي للموقف الرسمي اللبناني، يعود هذا السؤال ليطرح نفسه من جديد.
أي سلام يُراد تحقيقه؟ وأي إنهاء لحال الحرب والعداء يمكن أن يقوم بين القاتل والمقتول، وبين المحتل وصاحب الأرض، وبين الضحية والجلاد؟
وهل يتحقق السلام بمجرد اتفاقات سياسية تعقدها الحكومات، ولو جاءت برعاية أمريكية ودعم عربي ودولي، أم أن السلام الحقيقي يحتاج إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير؟
إن تبسيط هذا المشهد إلى مجرد اتفاق سياسي قد يتجاهل حقائق التاريخ وجوهر الصراع. فالقضية ليست خلافًا حدوديًا عابرًا يمكن تسويته بتوقيع وثيقة، بل ترتبط برؤية سياسية وعقائدية وتاريخية ما زالت تلقي بظلالها على المنطقة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تخلت الصهيونية فعلًا عن أهدافها الفكرية والسياسية؟ وهل تراجعت إسرائيل عن رؤيتها لمفهوم الدولة اليهودية وموقعها ودورها في المنطقة؟ وهل انتهت أطماعها التوسعية، أم أن ما يجري في فلسطين وسوريا ولبنان ما زال يعكس نهجًا يقوم على فرض الوقائع بالقوة تحت عناوين الأمن والدفاع عن النفس؟
قد يختلف الناس في الإجابة، لكن من الصعب تجاهل أن استمرار الاحتلال، والتوسع العسكري، وفرض المناطق العازلة، والعدوان المتكرر، كلها عوامل تجعل الحديث عن سلام نهائي أمرًا يحتاج إلى كثير من التروي والتدقيق.
لقد قبل قسم كبير من العرب، على مضض، بمبدأ الأرض مقابل السلام، ليس اقتناعًا بأن هذا هو الحق الكامل، بل أملاً في استعادة ما يمكن استعادته من الحقوق، ووقف الحروب، وفتح الباب أمام استقرار طال انتظاره. غير أن السنوات الماضية أظهرت أن الاتفاقات وحدها لم تكن كافية لإنهاء الصراع أو إزالة أسبابه العميقة.
ومن هنا، يبدو أن التفريق بين الهدنة وإنهاء حال الحرب والعداء والسلام ليس مجرد ترف لغوي أو سياسي، بل هو تفريق جوهري.
فالهدنة تعني وقف الأعمال القتالية وتنظيم العلاقة الأمنية.
وإنهاء حال الحرب والعداء يعني الانتقال إلى إطار قانوني وسياسي مختلف.
أما السلام الحقيقي، فلا يقوم على غياب إطلاق النار وحده، بل على معالجة أسباب الصراع، وتحقيق العدالة، واحترام الحقوق، والاعتراف المتبادل، وقيام علاقات مستقرة لا تهددها القوة أو الاحتلال أو مشاريع التوسع.
لذلك، فإن المنطق والعقل يدفعان إلى القول إن الهدنة، في ظل استمرار جوهر الصراع، قد تكون توصيفًا أكثر واقعية من الحديث عن سلام نهائي، ما دامت العوامل التي أنتجت هذا الصراع لم تتغير بصورة جوهرية.
أما في لبنان، فإن الأولوية الوطنية يجب أن تبقى واضحة، بعيدًا عن الانقسامات والشعارات. فالمطلوب أولًا إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الأراضي اللبنانية، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، واحتكارها وحدها للسلاح، واستعادة القرار الوطني المستقل، وإنهاء واقع لبنان كساحة مفتوحة لتصفية صراعات الآخرين.
لقد أثبتت التجارب، بكل ما حملته من تضحيات وآلام، أن ربط مصير لبنان بالمحاور الإقليمية والدولية، أو جعل أرضه ساحة لحروب الآخرين، لم يوفر له أمنًا دائمًا، ولم يحمه من العدوان، بل زاد من هشاشته، وربط مستقبله بحسابات خارجية لا يملك التأثير فيها.
إن من حق اللبنانيين أن يطمحوا إلى السلام، كما من حقهم أن يسعوا إلى إنهاء الحروب، لكن من حقهم أيضًا أن يتساءلوا: هل السلام الذي يُطرح اليوم يعالج جوهر الصراع، أم يكتفي بإدارة نتائجه؟
يبقى الأمل أن يخرج لبنان من النفق الذي دخله منذ عقود، وأن يستعيد شعبه حقه في اختيار السلطة والنظام اللذين يعبران عن إرادته الحرة، وأن يبني دولة سيدة، عادلة، قادرة، تحتكر وحدها قرار السلم والحرب، ويكون الانتماء فيها للمصلحة الوطنية اللبنانية العليا فوق كل اعتبار، لأنها وحدها القادرة على حماية الوطن وصون حقوق مواطنيه، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لأن الإجابة عنه لن تصنعها الاتفاقات وحدها، بل ستصنعها الوقائع على الأرض، وما إذا كان جوهر الصراع قد تغيّر فعلًا... أم أنه ما زال قائمًا، وإن تبدلت أدواته وعناوينه.













07/22/2026 - 12:48 PM





Comments