محمد النصراوي
في بغداد والبصرة والناصرية، لا يقيس الناس فصل الصيف بدرجات الحرارة وحدها بل بعدد ساعات الوطنية مقابل ساعات الأمبيرات، هذا المشهد المتكرر منذ أكثر من عقدين تحول - مع دخول صيف 2026 - إلى ما يصفه خبراء الطاقة بأنه من أصعب المواسم التي مر بها البلد في ظل فجوة تتجاوز 50% بين الإنتاج والطلب الفعلي في أوقات الذروة، فبينما لا يتجاوز أعلى إنتاج مسجل نحو 29 ألف ميغاواط يقفز الطلب في ذروة الصيف إلى اكثر من 60 ألف ميغاواط وفق تقديرات مؤسسات متخصصة في قطاع الطاقة.
المفارقة أن هذا العجز لا يعود إلى شح في الموارد فالعراق يمتلك من احتياطيات النفط والغاز ما يجعله من أغنى دول المنطقة لكنه في الوقت ذاته من أكثر الدول اعتماداً على الغاز المستورد لتشغيل بعض محطاته الكهربائية، وهذه المعادلة المقلوبة هي جوهر أزمة أمن الطاقة العراقية، بلد نفطي يحرق غازه ليستورد الغاز من الخارج ليضيء بيوته.
الثغرة التي تتكرر كل أزمة.. الاعتماد على مصدر واحد
لسنواتٍ شكل الغاز الإيراني المورد عبر خطوط الأنابيب الشريان الرئيس لعدد من محطات التوليد العراقية، وكل اضطراب في هذا الخط، سواء بفعل عقوبات أو ظروف إقليمية، كان ينعكس فوراً على جداول التجهيز الكهربائي في المحافظات، الأزمة الراهنة لم تخرج عن هذا النمط: تقارير حديثة تحدثت عن تراجع في إمدادات الغاز الإيراني بالتزامن مع تصعيدٍ إقليمي، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: كيف يسمح بلد بثروته النفطية والغازية لنفسه بأن يبقى رهينة خط إمداد واحد؟
الدرس الأول من هذه الأزمات المتكررة واضح: أمن الطاقة لا يُبنى على مصدر وحيد مهما بدا مستقراً، تنويع مصادر الإمداد، سواء عبر الربط الكهربائي الإقليمي أو عبر الاكتفاء الذاتي من الغاز المحلي، لم يعد خياراً يمكن تأجيله بل ضرورة وجودية.
حرق الغاز.. ثروة تتصاعد في الهواء
من أكثر المفارقات إيلاماً في الملف العراقي أن البلاد ظلت لعقود من بين الدول الأكثر حرقاً للغاز المصاحب لإنتاج النفط عالمياً بينما تستورد الغاز لتشغيل محطاتها، وزارة النفط أعلنت في تصريحات متكررة خلال الأشهر الأخيرة أن نسبة الغاز المستثمر ارتفعت إلى نحو 74%، مع خطط لإنهاء الحرق نهائياً بحلول 2029، عبر مشروعات كبرى من أبرزها مشروع تنمية الغاز المتكامل في حقل أرطاوي بمشاركة شركة توتال إنرجي الفرنسية وقطر للطاقة إضافة إلى مشروع حقل بن عمر.
هذه المشروعات إن اكتمل تنفيذها في مواعيدها، قد تمثل نقطة تحول حقيقية لتحويل الغاز المصاحب من عبء بيئي واقتصادي إلى مورد استراتيجي يغذي محطات التوليد المحلية ويقلص الحاجة إلى الاستيراد.
لكن التجربة العراقية علمت العراقيين أن الفارق بين الإعلان والتنفيذ - إن حصل - غالباً ما يُقاس بالسنوات لا بالأشهر، بفعل تعقيدات فنية وتمويلية وأحياناً بفعل عرقلة سياسية تعطل مشروعات استراتيجية كان يفترض أن تخفف الاعتماد على مورد واحد.
الرهان المؤجل الذي بات ضرورة.. الطاقة المتجددة
وسط هذا المشهد الضبابي، تبرز الطاقة الشمسية كأحد أهم عناصر الحل طويل الأمد، يستهدف العراق الوصول إلى نحو 7500 ميغاواط من الطاقة الشمسية عبر خمس عشرة مشروعاً بدعم من شركات عالمية كبرى، كما بدأت الألواح الشمسية المنزلية تنتشر تدريجياً كحل فردي - لكن باهض الثمن - يلجأ إليه المواطن هرباً من عجز المنظومة العامة، في مؤشر على أن اللامركزية في إنتاج الطاقة قد تكون جزءاً من الحل لا مجرد بديل مؤقت.
دروس لا بد من تعلمها
تكشف الأزمات المتكررة أن أمن الطاقة في العراق يحتاج إلى ثلاثية متكاملة: إنهاء حرق الغاز المصاحب واستثماره محلياً، تنويع مصادر الإمداد عبر الربط الإقليمي، والاستثمار الجاد في الطاقة المتجددة كصمام أمان، أما الحلول الترقيعية، من سفن التوليد المستأجرة إلى المولدات الأهلية، فهي مسكنات مكلفة لا تعالج جذر المشكلة.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في وفرة الموارد فالعراق يملكها، بل في وفرة إرادة سياسية قادرة على حماية المشروعات الاستراتيجية من العرقلة وعلى تحويل الثروة الكامنة تحت الأرض إلى إضاءة فعلية في بيوت العراقيين، فمن دون ذلك سيبقى هذا البلد النفطي الغني يعيش كل صيفٍ.. في الظلام.










07/22/2026 - 07:17 AM





Comments