بركات شاهين
في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سورية، لا يمكن الحديث عن بناء الدولة، أو تحقيق الاستقرار، أو استعادة الثقة بين المواطن ومؤسساتها، قبل ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية. فهذا المبدأ يجب أن يكون الأولوية التي تُبنى عليها جميع السياسات والإصلاحات، لأنه الضمان الحقيقي لوحدة المجتمع وعدالة الدولة.
لقد عانت سورية خلال العهد البائد من غيابٍ واضح لمفهوم المواطنة المتساوية، الأمر الذي انعكس سلباً على علاقة المواطن بالدولة، وأضعف الشعور بالانتماء الوطني الجامع. فعندما لا يشعر جميع المواطنين بأنهم متساوون أمام القانون، وأن حقوقهم مصانة على قدم المساواة، تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
وقد أسهمت سياسات التمييز والإقصاء، وضعف تكافؤ الفرص، وغياب العدالة في تطبيق القانون، في ترسيخ شعور لدى شرائح واسعة من السوريين بأن المواطنة لم تكن دائماً المعيار الحاكم في العلاقة بين الدولة وأبنائها. وكانت النتيجة إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتنامي الولاءات الفرعية، وتراجع الإحساس بالشراكة الحقيقية في بناء الوطن.
واليوم، وفي ظل المرحلة الانتقالية، تبدو الحاجة إلى ترسيخ المواطنة المتساوية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمطلوب ليس مجرد تجاوز أخطاء الماضي، بل تأسيس دولة يكون معيارها الوحيد هو المواطنة، بحيث يتساوى جميع السوريين في الحقوق والواجبات، وتُصان كرامتهم، وتُكفل حرياتهم، ويُعاملون جميعاً أمام القانون بالعدل والمساواة، دون تمييز أو تفضيل لأي سبب كان.
إن بناء سورية مستقرة وقوية يبدأ من استعادة ثقة المواطن بدولته، وهذه الثقة لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تصبح المواطنة المتساوية واقعاً عملياً، لا مجرد مبدأ دستوري أو شعار سياسي، وعندما يشعر كل سوري بأن انتماءه إلى وطنه هو المصدر الحقيقي لحقوقه وواجباته، وأن الدولة تقف على المسافة نفسها من جميع أبنائها.
فالمواطنة المتساوية ليست مطلباً لفئة دون أخرى، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي حجر الأساس الذي يقوم عليه مستقبل سورية، والمدخل الحقيقي لدولة القانون والعدالة، والدولة التي يشعر فيها كل مواطن بأنه شريك كامل في وطنه، لا تابعاً ولا مستثنى.










07/20/2026 - 08:14 AM





Comments