مفيد خطّار
أمَوْتٌ؟ أم شدائدُ؟ أم جُحودٌ؟ أم إنكارٌ؟
منذُ فجرِ التاريخ، لم يتوقّفِ الإنسانُ عن محاولةِ اغتيالِ الحياة. سقطتْ ممالكُ، واندثرتْ إمبراطورياتٌ، واحترقتْ أوطانٌ، وهُجِّرتْ شعوبٌ من الطمأنينة إلى القلق، ومن الأمان إلى الخوف على المصير. ومع ذلك، كانتِ الحياةُ، في كلِّ مرّة، تنهضُ من تحتِ الركام، فيما تحوّل جلّادوها إلى صفحاتٍ في كتبِ التاريخ.
فما سرُّ هذا التفوّقِ العجيبِ للحياة على الموت؟
بعدَ كلِّ حربٍ ظنَّ صانعوها أنّهم دفنوا الحياةَ إلى الأبد، كانتْ تنهضُ من تحتِ الرماد، كأنّها تحملُ في أعماقها وعدًا لا ينكسر. تبدّلتْ وجوهُ الحروب، وتغيّرتْ أدواتُها، لكنَّ الغايةَ بقيتْ واحدةً: إخضاعُ الحياةِ لسلطانِ الموت. غيرَ أنّ التاريخَ لم يعرفْ يومًا انتصارًا نهائيًّا للموت، لأنَّ الحياةَ كانت، على الدوام، أقوى من كلِّ موت.
وحتَّى العٍلمُ، في سعيِه الدؤوبِ إلى اكتشافِ إكسيرِ الخلود، حاول أن يؤخّر سلطانَ الموت، لكنّه لم يستطع أن يُلغيه. فالموتُ بقي حقيقةً تفرضُ حضورَها، أمّا الحياةُ فظلّتْ سرًّا يتجاوزُ كلَّ تفسير.
لكنَّ التاريخَ لم يبقَ أسيرَ هذا الصراع. ففي ملءِ الزمان، دخلتِ الكلمةُ التاريخ، لا لتُلغيَ الموت، بل لتنتصرَ عليه من داخله. فمن قلبِ الموت أخرجتْ حياةً، وجعلتْ من القبرِ مهدًا للقيامة، ومن النهايةِ بدايةً لا تنتهي.
وهكذا أُعْلِنَتْ معادلةٌ جديدةٌ في تاريخِ الإنسان: لم يعُدِ الموتُ نقيضَ الحياة، بل صار، في سرِّ الفداء، طريقًا إليها. واجتمعَ الموتُ والحياةُ في غايةٍ واحدة، هي انتصارُ الحياة. ومنذُ ذلك الحين، لم يعُدْ للموتِ الكلمةُ الأخيرة، بل صارتِ الكلمةُ الأخيرةُ للمحبّةِ والقيامةِ والحياة.
وإذا كانتْ هذه الحقيقةُ قد غيّرتْ معنى التاريخ، فهي تغيّرُ أيضًا معنى الأوطان. فليستْ قيمةُ الوطنِ بما يملكه من قوّة، ولا بما يختزنه من ثروات، بل بما يشهدُ له من حقيقة. ومن هنا يُفهَمُ لبنانُ، في جوهرِ رسالتِه، شاهدًا للحياةِ في وجهِ ثقافةِ الموت.
إنّه صوتٌ يصدحُ في عالمٍ أنهكتْه الحروب، مُعلنًا أنّ الحياةَ أقوى من الموت، وأنَّ الإنسانَ خُلِقَ ليحيا بالمحبّة، لا ليُستهلكَ في دوّامةِ العنف، وأنَّ الموت، متى اقترن بالحقِّ والمحبّة، غدا عبورًا إلى حياةٍ أسمى.
وإذا بقي لبنانُ أمينًا لرسالتِه، مستمدًّا معناها من الله، فلن تُقاسَ قيمتُه بمساحتِه، ولا بقوّتِه، ولا بتقلّباتِ تاريخِه، بل بقدرتِه الدائمةِ على الشهادةِ للحياةِ في وجهِ ثقافةِ الموت. عندئذٍ لا يكونُ وطنًا عابرًا في سجلِّ الأمم، بل أيقونةً لكلِّ وطنٍ رفضَ الاستسلامَ للموت، وقدَّسَ الحياة، وجعلَ من الإنسانِ غايتَه، ومن المحبّةِ رسالتَه. ويبقى لبنانُ، ما بقي أمينًا لرسالتِه، شاهدًا أمامَ العالمِ على حقيقةٍ لا تبلى ولا تشيخ:
أنَّ المحبّةَ غلبتِ الموت، وأنَّ الموتَ، حين يدخلُ في سرِّ المحبّة، يفقدُ سلطانَه، وأنَّ الحياةَ التي تنبعُ من الله لا يستطيعُ موتٌ أن يقتلَها.
مَنْ عَبَرَ ظلمةَ الموتِ بالمحبَّة، استنارَ بنورِ الحياة.










07/14/2026 - 20:58 PM





Comments