ماذا تعلّم لبنان خلال عشرين عامًا من الحروب التي لم يتخذ قرارها؟

07/13/2026 - 10:22 AM

Jonathan Amireh

 

 

جمال دملج *

في صباح الثاني عشر من تموز/يوليو 2006، استيقظ اللبنانيون على خبر أسر جنديين إسرائيليين في عملية نفذها "حزب الله" على الحدود الجنوبية. لم يكن مجلس الوزراء قد اجتمع، ولم تكن الدولة اللبنانية قد اتخذت قرارًا بالحرب، ومع ذلك وجد لبنان نفسه، خلال ساعات، في مواجهة عسكرية شاملة غيّرت وجه البلاد، وأدخلتها في واحدة من أكثر الحروب تدميرًا منذ نهاية الحرب الأهلية.

بعد أيام، أعلن مجلس الوزراء اللبناني بوضوح أنه لم يكن على علم بالعملية، وأنه لا يتحمل مسؤوليتها ولا يتبناها. وبعد عشرين عامًا، لم يعد السؤال يتعلق فقط بما جرى في صيف 2006، بل بما تعلّمه لبنان من تلك التجربة، بعد أن وجد نفسه مرة أخرى في حرب "إسناد غزة" عام 2023، ثم في مواجهة مرتبطة بالحرب الإسرائيلية - الإيرانية عام 2026، من دون أن تكون المؤسستان الدستوريتان، رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، هما من اتخذ قرار الانخراط في هاتين المواجهتين.

القرار الذي سبق الدولة

قد تختلف الآراء حول دوافع الحروب الثلاث، وقد تتباين المواقف السياسية من نتائجها، لكن ثمة حقيقة يصعب تجاوزها: قرار الانخراط فيها لم يصدر عن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية، بل اتخذ خارجها.

وهنا تكمن الإشكالية التي تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية إلى صميم مفهوم الدولة نفسه. ففي النظم الدستورية، لا يُعد قرار الحرب شأنًا يخص حزبًا أو جماعة أو فئة، مهما كان حجمها أو حضورها الشعبي، بل هو القرار الأخطر الذي تمتلكه الدولة، لأنه يرتب نتائج تمس حياة جميع المواطنين، واقتصادهم، وعلاقات بلادهم الخارجية، ومستقبل أجيالهم.

ثلاث حروب... وسؤال واحد

من حرب تموز عام 2006، إلى فتح جبهة الجنوب تحت عنوان "إسناد غزة" عام 2023، وصولًا إلى المواجهة التي ارتبطت بالحرب الإقليمية مع إيران عام 2026، يتكرر السؤال نفسه: من يملك حق اتخاذ قرار الحرب باسم لبنان؟

قد تتغير الشعارات، وتتبدل الظروف الإقليمية، لكن الثابت أن الدولة اللبنانية كانت، في كل مرة، تجد نفسها أمام حرب أصبحت واقعًا قبل أن تتخذ مؤسساتها قرارًا بشأنها. وهذا ما جعل لبنان يدفع، مرة بعد أخرى، أثمانًا بشرية واقتصادية وسياسية باهظة، فيما بقي النقاش الداخلي يدور حول نتائج الحرب، بدل أن يبدأ من السؤال الأول: من قررها أصلًا؟

بين المقاومة والدولة

لا يتعلق النقاش هنا بحق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال، وهو حق أقرته المواثيق الدولية عندما تعجز الدولة عن حماية أراضيها، وإنما يتعلق بمرحلة مختلفة تمامًا. فالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية عام 2000، ثم صدور القرار 1701 بعد حرب تموز، وضعا البلاد أمام واقع جديد، عنوانه بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع قوات الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الخلاف يدور حول مبدأ الدفاع عن لبنان، بل حول الجهة التي تمتلك حق تقرير متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي، وبأي هدف تُخاض.

السيادة ليست شعارًا

أثبتت التجارب أن السيادة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل أيضًا بقدرتها على احتكار قرار استخدام القوة. فكل دولة ذات سيادة تحتفظ بحق الدفاع عن نفسها، لكنها لا تسمح بتعدد مراكز القرار العسكري داخلها، لأن ذلك يجعلها عرضة لأن تُستدرج إلى حروب لا تكون قد اختارت توقيتها ولا ظروفها ولا مصالحها. ومن هنا، فإن المسألة لا تتعلق بموقف سياسي من هذا الطرف أو ذاك، بل بمبدأ دستوري يشكل أساس قيام أي دولة حديثة.

الدرس الذي لم يعد يحتمل التأجيل

لقد دفع لبنان، خلال العقدين الماضيين، أثمانًا هائلة نتيجة حروب وتعطيلات وأزمات متلاحقة، فيما بقي سؤال القرار السيادي معلقًا. وإذا كانت حرب تموز قد انتهت بالقرار 1701، فإن الحربين الأخيرتين أعادتا طرح السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحًا: هل يستطيع لبنان أن يخرج من دوامة الحروب إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعًا بين الدولة وغيرها؟

إن الدول لا تُبنى على ازدواجية القرار، ولا تستقر في ظل تعدد المرجعيات العسكرية. وكل تجربة عاشها اللبنانيون منذ عام 2006 حتى اليوم تؤكد أن أي مشروع لإنقاذ لبنان يبدأ باستعادة الدولة حقها الطبيعي والحصري في اتخاذ القرار الذي لا يوازيه أي قرار آخر في خطورته: قرار الحرب وقرار السلام.

واليوم، بعد عشرين عامًا على حرب تموز، لم يعد السؤال من ربح تلك الحرب ومن خسرها، ولا أي طرف حقق مكاسب سياسية أكبر.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه اللبنانيون أنفسهم به اليوم هو: هل تعلم لبنان من تجاربه المتعاقبة أن الحروب التي تُخاض خارج قرار الدولة قد تنتهي بوقف لإطلاق النار، لكنها لا تنتهي باستعادة الدولة لحقها في أن تقرر وحدها متى تحارب، ومتى تفاوض، ومتى تصنع السلام؟

ذلك هو الدرس الذي لم يعد يحتمل التأجيل، إذا أراد اللبنانيون أن تكون الحروب التي عاشوها جزءًا من الماضي، لا مقدمةً لحروب جديدة في المستقبل.

 

* إعلامي وكاتب لبناني

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment