بقلم: فرنسوا الجردي
في السياسة، لا تُقاس الزعامات بما تقوله في بداية الطريق، بل بما تنتهي إليه عند لحظة الحسم. أما في لبنان، فقد اعتاد اللبنانيون على مشهد يتكرر مع كل استحقاق مصيري: اعتراض مرتفع السقف في البداية، ثم انتقال هادئ إلى التسوية عندما تتبدل موازين القوى. وهذا ما يجعل كثيرين ينظرون إلى مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري على أنها جزء من إدارة التفاوض أكثر منها محاولة فعلية لتغيير النتائج.
واليوم، مع اعتراضه على اتفاق الإطار، يعود السؤال نفسه: هل نحن أمام رفض حقيقي قادر على إسقاط الاتفاق، أم أمام محطة تفاوضية ستنتهي، كما حصل في محطات عديدة، بالانضمام إلى التسوية عندما تصبح أمراً واقعاً؟
التجربة السياسية اللبنانية تدفع إلى طرح هذا السؤال بجدية. فقد أظهرت محطات مفصلية أن المواقف الأولية لم تكن دائماً هي التي حكمت النتائج النهائية. ففي ملفات رئاسية وسياسية وسيادية عدة، ارتفع منسوب الاعتراض، قبل أن تفرض الوقائع الداخلية والإقليمية والدولية مساراً مختلفاً انتهى إلى قبول التسويات.
هذا النمط جعل نبيه بري يُوصَف لدى كثير من المراقبين بأنه رجل إدارة المراحل الانتقالية أكثر منه رجل المواجهات المفتوحة. فهو يرفع سقف التفاوض إلى أقصى حد، لكنه يعرف أيضاً متى يخفضه عندما يصبح ميزان القوى قد حسم اتجاهه. وهذه المقاربة يراها مؤيدوه تعبيراً عن براغماتية سياسية تحمي البلاد من الانهيار، فيما يعتبرها خصومه دليلاً على أن القرار النهائي يبقى رهناً بمعادلات تتجاوز الحدود اللبنانية.
المفارقة أن صورة "الرجل القوي" التي نجح بري في ترسيخها داخل النظام اللبناني، كثيراً ما تصطدم باختبار الاستحقاقات الكبرى. ففي الداخل يبدو صاحب الكلمة النافذة، أما عندما تتشابك المصالح الدولية والإقليمية، فإن هامش المناورة يضيق، لتصبح الأولوية إدارة التسوية لا منعها.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية. فالسياسة لا تُبنى على الاعتراضات الإعلامية، بل على القدرة على تغيير المسار. وإذا كانت النتيجة النهائية تتكرر في كل مرة، فإن قيمة الخطاب السياسي تصبح موضع مساءلة، لأن الجمهور لم يعد يحاكم السياسيين على ما يعلنونه، بل على ما يوقعونه أو يقبلون به في نهاية المطاف.
أما اتفاق الإطار، فهو ليس مجرد ملف تقني أو تفاوضي، بل محطة سترسم جانباً من مستقبل لبنان السياسي والسيادي. ولذلك، فإن أي اعتراض لا يترجم إلى موقف ثابت حتى النهاية، سيُقرأ على أنه جزء من إدارة التسوية لا من مواجهتها.
لقد تغيّر اللبنانيون أكثر مما تغيّر سياسيّوهم. فالذاكرة السياسية أصبحت أطول، والقدرة على مقارنة المواقف بالنتائج باتت أكبر. ولم يعد يكفي رفع الشعارات أو اعتماد الخطاب التصعيدي لإقناع الرأي العام، لأن التجارب المتراكمة جعلت اللبنانيين ينتظرون الأفعال لا الأقوال.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يعترض نبيه بري على اتفاق الإطار؟ بل السؤال الأهم هو: هل سيبقى معترضاً عندما تصل ساعة القرار؟ فهناك فقط ستُقاس صدقية الموقف، وهناك فقط سيُعرف إن كان لبنان أمام رفض فعلي، أم أمام فصل جديد من مسلسل الاعتراض الذي ينتهي دائماً عند باب التسوية.











07/05/2026 - 07:12 AM





Comments