مجموعة السبع... بين معالجة الاختلالات وتجنّب الصدمات

06/29/2026 - 14:40 PM

Bt adv

 

 

 وجيدة حافي *

لن نتكلم عن الطرائف التي حدثت في قمة مجموعة السبع في فرنسا، بل عن البعبع المُزعج لأوروبا وأمريكا، الكابوس المهدد لوجودهم الاقتصادي واقتصادهم الهش، فالقارة العجوز قلقة من صدمة الصين وتراجع تنافسية صناعتها أمام الفائض الصيني، فهي لم تعد قادرة على معالجة الاقتصاد العالمي دون شراكة صينية وهذا ما لم يعترف به القادة الأوروبيون مباشرة، بل اكتفوا بالحديث عن الاختلالات والفائض والاغراق، في اشارة منهم إلى الصين، التي كانت أذكى في ردها بمصطلحات بديلة مثل التنمية والشراكة، والربح المشترك، ورحبت بكل الأطراف في المنظمة التي تنوي تأسيسها عن الذكاء الاصطناعي لكي تصبح السيدة لا المسودة، وتنتزع زمام الحوكمة العالمية من واشنطن وبروكسل، بحيث تصبح هي صاحبة المعايير لا متلقيتها،

خطوة ذكية وموفقة من الصين بوابة الاقتصاد العالمي والعملاق النائم الذي يتحدث قليلا ويُطبق كثيرا، وهذا ما أقلق الأوروبيون الذين وجدوا أنفسهم لوحدهم وخاصة مع "ترامب" وسياسته معهم، فالصين الآن لدول السبع ليست خصما، بل شريكا مُهما وجسرا ينبغي التواصل معه لتجنب انهيار التوازن الدُولي المنهار أصلا، فالحسابات تغيرت ولم تعد اقتصادية بحتة فقط، لأن الصين تعتبر روسيا شريكا لها، ومستورد رئيسي لصادرات الطاقة الروسية بأسعار تنافسية، وأي صراع وجبهة حرب معها، تعني دخول أُوروبا في حلقة غير منتهية من الحروب والمشاكل، هي في غنى عنها في هذه الفترة.

أما "ترامب" فكعادته لم يُفوت الفرصة واحتل صدارة العناوين، بمزحة ودُعابة، "أنا الزعيم "التي تحولت لترند عالمي وقيل حولها الكثير، طلبه من الرئيس الفرنسي تأجيل القمة ريثما ينتهي من الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين، والاستعلاء على زعماء أوروبا كلهم من "ماكرون لزيلنسكي، للمستشار الألماني"، لقطات لم تمر مرور الكرام على المعلقين والرأي العام العالمي، "فترامب" لم يذهب للقمة للحديث عن المشاكل والحلول الاقتصادية، بل للنزهة ولقاء الاعلامين للحديث عن انتصاره الوهمي على ايران، والظهور بمظهر المصلح وحلال المشاكل لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، قمة ظاهرها ناجحة وجيدة، كواليسها كلها خلافات وصراعات، وأسئلة لم تجد إجابات لحد الساعة بسبب تعنت وتصرفات ترامب المُثيرة للجدل والغامضة ،فهو يتكلم عن كل شيء ولا يُعطي تصريحا ايجابيا صادقا، وهذا ما أقلق ويُقلق أوروبا وخاصة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" الذي يُريد أن يُنهي عهدته الأخيرة بتتويج دبلوماسي ومعالجة كل الاختلالات في الاقتصاد العالمي، حلم لا ندري أسيتحقق مع " دونالد ترامب" الذي يلعب لعبة القط والفأر مع أوروبا، أم سيتأجل.

 والملفت للنظر أيضا مُشاركة بعض الدول كمصر والامارات وقطر للمشاركة في مناقشة القضايا الحساسة كالملف الايراني و الفلسطيني والبحر الأحمر، دول من المفروض أن تسعى للحلول الايجابية ومواجهة "ترامب" وكل من يلعب بالأمن العربي وفي كل المجالات، لكن للأسف حضورها كان شكليا واكتفت بتلقي الأوامر ومباركة القرارات أمام "ترامب الذي لا يعترف بلغة التردد، ولا يؤمن بكلمات من قبيل "ربما" أو "لعل"، بل يفضل القرارات الحاسمة، وكشعوب نعرف أن هذه القمة مجرد شكليات، والحرب بين إسرائيل وايران لن تتوقف والأزمات الاقتصادية ستزيد، وأوروبا ستتضرر أكثر مع "دونالد ترامب"، والحرب الروسية الأُوكرانية لن تجد طريقا للحل، لأن أمريكا لا تريد ولن تتوقف عن دعم اسرائيل ونشر الفتن والحروب هنا وهناك، حتى لا تفقد هيبتها وقوتها. فالقادة لم يجتمعوا لحل الأزمات، بل لرسم حدود القوة وإعادة هندسة الدول الأخرى داخل النظام الدولي، فما وراء الابتسامات والمصافحات والصور، كانت النقاشات العميقة والجدية بعيدا عن الأضواء، ثم في الأخير تأتي الحلقة الأخيرة في شكل قمم تُصاغ القرارات فيها بلغة راقية وأُسلوب مُهذب.

 أما دول الجنوب، فهي خارج قواعد لعبة النظام الدُولي الاقتصادي الذي ًجعلها مُتلقيا للقرارات ومصدرا للثروات، أي سوقا مفتوحا للمنتوجات ورؤوس الأموال القادمة من الشمال، فالقيود المفروضة عليها لمنع استغلال ثرواتها كالوقود الأحفوري وغيرها من الثروات التي تُساهم في بناء البنية التحتيتية وتمويل التصنيع وتوفير الكهرباء عائق كبير في تطورها وتنمية اقتصادها، ونفس الشيء في المعادن الحرجة كالليثيوم والكوبالت، النحاس والمعادن النادرة التي لا غنى عنها في التحول الرقمي وصنع البطاريات والذكاء الاصطناعي، معادن للأسف تصدر للعالم الشمالي وبأبخس الأثمان، لكي يحتكر التكنولوجيا والتصنيع، ويتسيد المشهد ويفرض رُؤيته على دول الجنوب التي تملك كل شيء، وتفتقر للتنسيق والرؤية المؤسسية، فالأموال المكدسة بتريليونات الدولارات عند الغرب، يُمكن تحويلها لمشاريع تنموية تُساهم وبشكل كبير في إعادة التنمية داخل الجنوب، كذلك توسيع استعمال العملات المحلية وتطوير أدوات دفع رقمية سيُساعد في بناء بدائل مالية والتخلص من تبعية الدولار والابتزازات المالية، مع طبعا التفاوض الجيد مع الشمال حول استغلال المعادن والثروات، يعني تأسيس تحالفات قطاعية عادلة تنص على نقل التكنولوجيا والعمالة وغيرها من الشروط الايجابية لعالم الجنوب، لأن الحرب الآن لم تعد بين عالم فقير وغني، بل من يملك التكنولوجيا والمستقبل ويطمح للكثير، وبين من يملك مواد خام ولكنه للأسف في نفس المكان، فالمطالبة بالتكافؤ وفي كل المجالات والتخلص من الهيمنة من الخطوات المهمة للدول التي في طور التقدم للحفاظ على مكانتها وهيبتها وقراراها المُستقل.

*  كاتبة من الجزائر 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment