روجيه ابو فاضل
في قاعات التحقيق لا يكفي أن تكون الأدلة قوية للوصول إلى الحقيقة بل يحتاج القاضي أحيانا إلى مزيج من الهدوء والذكاء والصبر وحسن إدارة الجلسة حتى تسقط الأقنعة ويواجه المتهم نفسه قبل أن يواجه القانون. ومن هذا المنطلق برزت قاضي التحقيق في جبل لبنان جويل عيسى الخوري في ملف انتحال صفة موظف في السفارة الأميركية بعدما أدارت تحقيقًا اتسم بالدقة والهدوء والصرامة القانونية فنجحت في تفكيك رواية المتهم وكشف حقيقة الأفعال المنسوبة إليه من خلال مواجهة متدرجة بالأدلة بعيدا عن الانفعال أو الاستعراض.
وخلال الاستجواب لاحظت القاضية أن المتهم مجيب عنتر يعيش حالة من التوتر الشديد فبادرت بذكائها إلى تقديم حبة شوكولاته له في خطوة إنسانية هدفت إلى تهدئة الأجواء داخل غرفة التحقيق قبل أن تتابع استجوابه بدقة. وما إن عاد الهدوء حتى بدأت بمواجهته تباعا بإفادات المدعين والمستندات المضبوطة والتناقضات الواردة في أقواله حتى انهارت روايته واعترف بما لم يكن قد أدلى به في التحقيقات الأولية.
وأقر المتهم بأنه لا يعمل في السفارة الأميركية ولا في منظمة USAID كما كان يدعي واعترف باستخدام بيان قيد إفرادي مزور وصورة عن جواز سفر أميركي مزور حصل عليهما من شخص ملقب بأبو علي علام بهدف إضفاء صدقية على شخصيته الوهمية.
وكشفت التحقيقات أن عنتر كان ينتحل اسم مايكل معوض ويوهم ضحاياه بأنه موظف في السفارة الأميركية ويتمتع بعلاقات تخوله تأمين تأشيرات سفر إلى الولايات المتحدة مقابل مبالغ مالية كما كان يستولي على أموال أشخاص بحجة شراء سيارات وهواتف ومستلزمات من الخارج من دون أن ينفذ أيا من وعوده.
وأظهرت التحقيقات أيضا أن القوى الأمنية ضبطت بحوزته مستندات مزورة وصورا شمسية ووثائق عائدة لأشخاص مختلفين فيما أكد عدد من المدعين أنهم سلموه مبالغ مالية بعدما اقتنعوا بصفته الوظيفية المزعومة وبقدرته على إنجاز معاملاتهم مستندا إلى أوراق مزورة وشخصية وهمية أتقن رسم تفاصيلها.
وبعد استكمال التحقيقات وتقييم الأدلة والاعترافات خلصت القاضية جويل عيسى الخوري إلى الظن بالمدعى عليه بجرائم الاحتيال وانتحال الصفة والتزوير واستعمال المزور كما قررت تسطير مذكرة تحر دائم لكشف هوية الشخص الملقب بأبو علي علام الذي تبين من التحقيقات أنه لعب دورا في تأمين المستندات المزورة المستخدمة في عمليات الاحتيال.
ويعكس هذا الملف أهمية إدارة التحقيق القضائي القائم على الجمع بين المواجهة القانونية الدقيقة والهدوء في إدارة الجلسات إذ أسهمت طريقة الاستجواب في الوصول إلى اعترافات شكلت جزءا من عناصر الملف قبل إحالته لاستكمال مساره أمام القضاء المختص.













06/27/2026 - 16:54 PM





Comments