الخوري الدكتور نبيل مونس
منذ أن بدأ الإنسان يدوّن ذاكرته على صفحات التاريخ، كان لبنان حاضرًا في النصوص الأولى التي شكّلت وعي البشرية. لم يكن هذا الحضور تفصيلاً جغرافيًا أو ذكرًا عابرًا، بل كان حضورًا لافتًا، كثيفًا، متجذّرًا في عمق الرواية الروحية والإنسانية التي حملتها أسفار الكتاب المقدّس. فلبنان، بأرزه وجباله ومياهه وشعبه، لم يكن مجرد أرض، بل رمزٌ لشيء أكبر: رمزٌ للجمال، للثبات، للقداسة، وللقيمة التي لا تُقاس بالمساحة بل بالمعنى.
في النصوص المقدّسة، يظهر لبنان كأرضٍ شاهقة، جباله "تُطاول السماء"، وأرزه "يغرسه الرب" فيكون علامة على القوة والنقاء. لم يكن الأرز مجرد شجرة، بل صار استعارة للإنسان الذي لا ينحني، وللوطن الذي لا يذبل رغم العواصف. وفي كل مرة يُذكر فيها لبنان في الكتاب المقدّس، يُذكر كمساحة نور، كأفق مفتوح على الجمال الإلهي، وكأن الطبيعة نفسها كانت تنطق بلغة الوحي.
لكن لبنان في الكتاب المقدّس ليس فقط أرضًا مباركة، بل هو أيضًا مسرحٌ للتفاعل الإنساني. هو المكان الذي مرّ فيه الأنبياء، وتردّد فيه صدى الرسالات، وتقاطعت فيه طرق التجارة والحضارات. هو نقطة التقاء بين الشرق والغرب، بين البحر والجبل، بين الإنسان وربّه. وفي هذا التلاقي، وُلدت هوية فريدة، هوية لا تشبه أي بلد آخر، لأنها صيغت من طبقات التاريخ والروح معًا.
وإذا كان الكتاب المقدّس قد قدّم لبنان كرمز، فإن اللبنانيين اليوم يعيشون هذا الرمز بكل تناقضاته. فهم أبناء أرضٍ باركها الوحي، لكنهم أيضًا أبناء وطنٍ أثقلته الحروب والانقسامات. وبين هذين الوجهين، يقف الإنسان اللبناني ممزقًا بين ذاكرة مجدٍ قديم وواقعٍ يضغط عليه من كل الجهات. ومع ذلك، يبقى في داخله شيء من الأرز: قدرة على النهوض، على التجدّد، على البقاء واقفًا مهما اشتدّت الرياح.
إن العودة إلى صورة لبنان في الكتاب المقدّس ليست تمرينًا لاهوتيًا فحسب، بل هي أيضًا محاولة لفهم هذا البلد من جذوره. لماذا بقي رغم كل شيء؟ لماذا لم يسقط؟ لماذا لا يزال العالم ينظر إليه كأرضٍ تحمل معنى أكبر من حدودها؟ ربما لأن لبنان، كما تصوّره النصوص المقدّسة، ليس مجرد جغرافيا، بل هو فكرة. فكرة الحرية، فكرة الجمال، فكرة الإنسان الذي يبحث عن الله في الجبل وفي البحر وفي ذاته.
وفي زمنٍ يمرّ فيه لبنان بأصعب امتحاناته، تبدو العودة إلى تلك الصورة القديمة كأنها محاولة لاستعادة ما فقدناه: الإيمان بأن هذا الوطن ليس صدفة، وأنه لم يُذكر في الكتب المقدّسة عبثًا، وأنه قادر على أن ينهض من جديد، لأن جذوره ضاربة في التاريخ، ولأن رمزيته أعمق من أن تُمحى.
لبنان الذي عرفه الأنبياء، لبنان الذي تغنّى به الوحي، لبنان الذي ارتفع أرزه في وجه الزمن، هو نفسه لبنان الذي نعيش فيه اليوم، مهما تغيّرت الظروف. وبين لبنان الرمز ولبنان الواقع، يقف الإنسان اللبناني حاملًا إرثًا روحيًا لا يزال يضيء، مهما اشتدّ الظلام. فالأرز الذي باركه الله لا يموت، بل يظلّ شاهدًا على أن هذا الوطن، منذ فجر التاريخ، كان أكثر من وطن... كان رسالة.













06/27/2026 - 16:01 PM





Comments