بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف
بعد القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء اللبناني في جلسته الأخيرة بدمج مادة التاريخ ضمن إطار يضم علم الاجتماع والجغرافيا والاقتصاد والإدارة، لم يعد النقاش يقتصر على تعديل في هيكلية المناهج، بل بات يطال جوهر المشروع التربوي الوطني نفسه. فالسؤال الحقيقي لم يعد: أي مواد ندرّس أبناءنا؟ بل: أي مواطن نريد أن نبني؟ وأي ذاكرة جماعية نريد أن نورّثها للأجيال؟
فالتاريخ ليس مجرد تواريخ وأحداث تُحفظ للامتحانات ثم تُنسى، ولا سجلًا جامدًا لما انقضى من الزمن، بل هو الذاكرة الحية للشعوب. والذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما شرط أساسي لبناء الهوية الوطنية وترسيخ المواطنة الواعية، لأنها تمكّن المجتمع من فهم حاضره واستشراف مستقبله. فمن يمتلك ذاكرته يمتلك حريته، ومن يفقدها يصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
ومن هنا، لم يعد السؤال التربوي مقتصرًا على مضمون المعرفة، بل أصبح متعلقًا بكيفية بناء الوعي النقدي، وصون الذاكرة الجماعية من الاختزال أو التشويه أو الإلغاء.
غير أن التاريخ، بطبيعته، ليس نصًا منزّهًا عن الرؤية الإنسانية. فكل كتابة تاريخية تنطلق من منظور معين؛ قد يكون منظور مؤرخ يلتزم الوثائق والمنهج النقدي سعيًا إلى الحقيقة، وقد يكون تعبيرًا عن رؤية دولة تسعى إلى بناء سردية وطنية، أو حتى رواية يفرضها المنتصر على ذاكرة الجماعة. لذلك، لا وجود لتاريخ محايد بصورة مطلقة، بل توجد مناهج علمية تجعلنا نقترب من الحقيقة عبر النقد والمقارنة وتعدد المصادر واحترام الوقائع.
وهنا تبدأ الوظيفة الحقيقية للتربية. فالمدرسة ليست معنية بفرض رواية واحدة، بقدر ما هي مسؤولة عن تدريب الطالب على قراءة الروايات المختلفة، والتمييز بين الوقائع وتفسيراتها، وبين الحدث التاريخي وتوظيفه السياسي، ليصبح مواطنًا يمتلك أدوات التفكير النقدي، لا مجرد حافظ للمعلومات.
ويؤدي تدريس التاريخ وظائف حضارية لا غنى عنها لأي مجتمع.
فهو، أولًا، أداة لفهم الحاضر، لأن الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تنشأ من فراغ، بل تمتد جذورها في مسارات تاريخية متراكمة، ومن يقرأ الحاضر بمعزل عن الماضي لا يرى سوى جزء من الحقيقة.
وهو، ثانيًا، ركيزة للهوية الوطنية والثقافية، لأن الأمم، كما الأفراد، تحتاج إلى ذاكرة مشتركة تحفظ استمرارية وجودها، وتعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه الصالح العام.
أما ثالثًا، فيشكل مناعة حضارية ضد تكرار الأخطاء، إذ يكشف كيف تنشأ الحروب، وكيف تتكوّن الأنظمة الاستبدادية، وكيف تتهاوى الدول عندما تعجز عن التعلم من تجاربها. فالذاكرة التاريخية ليست استذكارًا للماضي، بل استثمارًا في المستقبل.
غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التكامل بين المواد التعليمية، بل في الكيفية التي يُنفَّذ بها هذا التكامل. فالدمج قد يكون خيارًا تربويًا متقدمًا إذا حافظت كل مادة على استقلالها المنهجي ووظيفتها المعرفية، لكنه يتحول إلى مصدر خلل عندما يؤدي إلى إذابة التاريخ داخل مواد أخرى، فيفقد خصوصيته العلمية ودوره في بناء الوعي النقدي.
ويتجلى هذا الخلل في ثلاثة مستويات.
أولها، عندما يتحول التاريخ إلى خطاب أيديولوجي مغلق يمتزج بالتربية الوطنية أو الدينية على نحو يلغي النقاش الحر، ويستبدل البحث العلمي بالتلقين، فينشأ الطالب على قبول رواية واحدة بوصفها حقيقة نهائية، فتضعف لديه ملكة السؤال، وهي أساس كل معرفة.
وثانيها، عندما يُختزل التاريخ في إطار عام للدراسات الاجتماعية، فتتراكم الموضوعات وتتقلص فرص التحليل والتفسير، فيكتسب الطالب معلومات متفرقة، لكنه يعجز عن فهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، وبين الماضي والحاضر.
أما المستوى الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في تقديم الحروب والمجازر والظلم التاريخي ضمن خطاب عام عن "التسامح" أو "الصراع"، بما يؤدي إلى تذويب الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه، وبين المسؤولية التاريخية والنتائج الإنسانية.
والحال أن التربية على السلام لا تقوم على محو الحقيقة، بل على الاعتراف بها أولًا، لأن العدالة هي المدخل الحقيقي للمصالحة، لا النسيان. ومن هنا يتحدث عدد من الباحثين عن مفهوم "الإذابة المنهجية"، أي تفكيك الذاكرة الجماعية بصورة غير مباشرة عبر إعادة تنظيم المعرفة داخل المناهج، بحيث لا يُلغى التاريخ رسميًا، بل يُفرغ تدريجيًا من وظيفته في تكوين الوعي النقدي.
لذلك، فإن المطلوب ليس رفض التكامل بين المواد، بل اعتماد تكامل معرفي يحترم خصوصية كل علم. فالتاريخ يبقى الإطار الزمني المرجعي، فيما تسهم الجغرافيا والأدب والفنون والقانون والاقتصاد في تعميق فهم الحدث التاريخي وإغنائه من زوايا متعددة.
فعندما يدرس الطالب العصر المملوكي، لا يكتفي بحفظ الوقائع، بل يقرأ نصوصه الأدبية، ويتأمل خرائطه الجغرافية، ويحلل وثائقه القانونية، ويتعرف إلى فنونه المعمارية. عندئذ يتحول التاريخ من مادة للحفظ إلى مختبر للفهم، ومن ذاكرة جامدة إلى وعي حي.
إن الأمم الواثقة من ذاتها لا تخشى تاريخها، ولا تختزله، ولا تذيبه في مواد أخرى، لأنها تدرك أن الذاكرة ليست عبئًا على المستقبل، بل شرطًا لصناعته. فاستقلال الفكر لا يتحقق إلا بحرية البحث، وتعدد المقاربات، واحترام الحقيقة، مهما كانت معقدة أو مؤلمة.
إن إضعاف حضور التاريخ في المدرسة لا يعني مجرد تقليص ساعات تدريس مادة، بل قد يعني إضعاف قدرة المجتمع على فهم ذاته، وعلى بناء مواطن يميز بين الوقائع والدعاية، وبين الذاكرة والتوظيف السياسي للذاكرة.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس علمًا بالماضي فحسب، بل هو علم بالإنسان في الزمن، وشرط من شروط الحرية والمسؤولية.
فمن يمحو التاريخ، لا يمحو صفحات من الماضي فحسب، بل يقتطع جزءًا من مستقبل الأمة، لأن الذاكرة ليست مجرد استرجاع لما كان، بل هي الضمانة الأعمق لاستمرار المجتمع وصون حرية الإنسان.











06/27/2026 - 12:20 PM





Comments