معتز فخر الدين
في النقاش اللبناني حول أي إطار تفاهم أو أي مقاربة جديدة لمستقبل البلد، يظهر خلاف أعمق من تفاصيل الاتفاقات والضمانات. الخلاف الحقيقي يتعلق بسؤال أساسي: ما معنى السيادة؟ وهل تُقاس السيادة بامتلاك أدوات القوة فقط، أم بقدرة الدولة على امتلاك القرار الكامل؟
لقد عاش لبنان سنوات طويلة تحت تأثير معادلة معقدة: كلما ضعفت الدولة، ظهرت قوى تملأ الفراغ، وكلما تعاظمت قوة خارج إطار الدولة، ازداد ضعف الدولة نفسها. وهكذا نشأت مشكلة تتجاوز وجود السلاح بحد ذاته إلى وجود قرارين داخل وطن واحد.
بين الدولة والدويلة: جوهر الأزمة
المسألة ليست في رفض حق لبنان في الدفاع عن نفسه، ولا في التقليل من تضحيات أي جهة أو دورها في مراحل معينة. لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل يمكن بناء دولة مستقرة فيما يبقى القرار الأمني والاستراتيجي موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوة أخرى تملك حسابات مرتبطة بساحات إقليمية؟
الدولة لا تعني الضعف، ولا تعني ترك البلد بلا حماية. الدولة القوية هي التي تجعل القوة جزءاً من مؤسساتها، وتضع قرار استخدامها ضمن إطار وطني جامع. أما عندما تنشأ قوة موازية للدولة، فإن المشكلة لا تعود فقط في السلاح، بل في ازدواجية القرار: من يقرر الحرب؟ من يتحمل نتائجها؟ ومن يدفع كلفتها؟
فالفرق بين الدولة والدويلة ليس في امتلاك القوة أو غيابها، بل في مصدر الشرعية التي تحدد كيفية استخدامها.
الحلقة المفقودة: الدولة التي أضعفها الداخل
غير أن القراءة الموضوعية للأزمة اللبنانية تفرض الاعتراف بحقيقة أكثر تعقيداً: ضعف الدولة لم يكن نتيجة عامل واحد فقط، بل كان نتيجة تراكمات طويلة من إدارة سياسية كرّست المحاصصة وأضعفت المؤسسات.
إن تحويل بعض مؤسسات الدولة إلى أدوات للمحاصصة السياسية والزبائنية، من المالية العامة إلى قطاع الكهرباء والإدارة، أفرغ الدولة تدريجياً من مضمونها. فالدولة القوية تعني رقابة ومحاسبة وشفافية، وهي أمور اصطدمت بمصالح شبكات نفوذ استفادت من استمرار الواقع الحالي.
السلاح الموازي والطبقة السياسية المستفيدة من ضعف الدولة شكّلا معاً حلقة تغذي استمرار الأزمة. فبينما تستمر المحاصصة واحتكار النفوذ السياسي والمالي، يبقى ضعف الدولة بيئة تسمح باستمرار الاستثناءات، ويدفع المواطن وحده كلفة الفساد وعدم الاستقرار.
لذلك فإن أي مشروع لاستعادة الدولة لا يمكن أن يبدأ من ملف واحد فقط، بل من إعادة بناء المؤسسات نفسها، لأن دولة ضعيفة لن تستطيع احتواء أي قوة مهما كان مصدرها.
السلاح بين الردع وكلفة الدولة
لطالما طُرح السلاح باعتباره ضمانة للبنان في مواجهة الأخطار. لكن أي تقييم جدي لا يمكن أن يتوقف عند لحظة المواجهة فقط، بل يجب أن ينظر إلى النتائج الأوسع.
السؤال ليس فقط: ماذا منع هذا السلاح؟ بل أيضاً: ماذا أنتج؟
هل ساهم في بناء دولة أقوى؟ هل عزز قدرة المؤسسات؟ هل منع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟ أم أبقى لبنان في حالة استنفار دائم يدفع المواطنون ثمنها؟
القوة لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرة على الرد، بل بما تنتجه من استقرار. فالردع الذي لا يتحول إلى دولة يبقى ناقصاً، والقوة التي لا تؤسس لمؤسسات قوية قد تتحول مع الوقت إلى عبء على الدولة نفسها.
من الجنوب إلى الإقليم: بين التهديد الحقيقي وخطر الارتهان
لا يمكن تقييم تجربة السلاح فقط من خلال علاقته بالصراع مع إسرائيل، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن لبنان يعيش في منطقة مليئة بالمخاطر. فالتهديدات الخارجية موجودة، والضمانات الدولية وحدها لا تكفي لبناء أمن دائم.
لكن الحل لا يكون أيضاً في إبقاء لبنان مرتبطاً دائماً بصراعات الإقليم، أو في تحويل قراراته الأمنية إلى انعكاس لحسابات خارجية.
المطلوب هو أن تصبح الدولة هي المرجعية الأساسية في إدارة أي تهديد، عبر استراتيجية دفاع وطنية واضحة، تجعل القرار في الحرب والسلم قراراً مؤسساتياً جامعاً، لا نتيجة توازنات خارجية أو داخلية متفرقة.
الدولة ليست استسلاماً، والضمانات ليست بديلاً عن التخطيط
من أكثر الأفكار التي عطلت النقاش اللبناني اختزال الخيارات بين السلاح أو الاستسلام. وكأن لبنان لا يملك إلا طريقين: إما قوة خارج الدولة أو ضعف كامل. لكن هناك خيار ثالث وأكثر واقعية: مسار انتقالي واضح، لكنه لا يقوم على الشعارات بل على الضرورة.
هذا المسار يقوم على ثلاث ركائز:
إصلاح داخلي جذري يعيد بناء المؤسسات، ويحرر الجيش والقضاء من المحاصصة، ويمنحهما القدرة الفعلية على أداء دورهما.
عقد دفاع وطني جامع يعيد تنظيم القدرات الدفاعية ضمن استراتيجية موحدة تقودها الدولة، بحيث تصبح كل عناصر القوة تحت سقف القرار الوطني، وفق هيكلية قانونية واضحة ومؤسساتية.
سياسة خارجية متوازنة لا ترهن لبنان لأي محور، بل تستثمر في علاقاته العربية والدولية لتأمين غطاء يحميه من التحول إلى ساحة صراع.
فالدول لا تحمي نفسها فقط بقدرتها على الرد بعد وقوع الخطر، بل بقدرتها على منع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع دائم، عبر قرار وطني واضح ومؤسسات قوية.
الجنوب والناس قبل الشعارات
في النهاية، لا يمكن بناء أي رؤية للبنان بعيداً عن الناس. أهل الجنوب ليسوا مجرد ورقة في معادلات الردع، كما أن بقية اللبنانيين ليسوا مجرد جمهور يتابع صراعات المنطقة من موقع المتلقي. المواطن يريد الأمان، يريد إعادة بناء حياته، يريد دولة تؤمن له الاقتصاد والخدمات والاستقرار.
لا يمكن مطالبة مجتمع كامل بتحمل أعباء الحروب المتكررة تحت عناوين كبرى، فيما الدولة عاجزة عن القيام بأبسط وظائفها.
كرامة المواطن ليست فقط في القدرة على المواجهة، بل أيضاً في أن يعيش آمناً داخل دولة تحميه.
السيادة تبدأ من القرار الداخلي
السيادة ليست أن يكون لبنان قادراً على خوض الحرب، بل أن يكون قادراً على منعها. وليست القوة أن يبقى البلد مستعداً لدفع الثمن، بل أن يمتلك دولة تمنع الآخرين من جعله ساحة لحساباتهم.
لكن تحقيق ذلك يتطلب شجاعة الاعتراف بأن أزمة الدولة ليست خارجية فقط، بل لها جذور داخلية عميقة أيضاً، وأن بناء السيادة يبدأ من الداخل قبل أي مسار آخر.
لبنان لا يحتاج إلى التخلي عن حقه في الدفاع عن نفسه، لكنه يحتاج إلى أن تعود كل عناصر القوة إلى إطار الدولة، لأن الدولة وحدها تستطيع أن تحوّل القوة من عبء على المجتمع إلى حماية حقيقية له.
الخاتمة
فالمعيار النهائي لأي خيار ليس عدد الصواريخ ولا حجم النفوذ، بل سؤال أبسط وأكثر عمقاً: هل جعل لبنان أقوى كدولة أم أبقاه أضعف كدولة؟
الجنوب لا يحتاج إلى أن يبقى خط تماس، واللبنانيون لا يحتاجون إلى وطن يعيش على انتظار الحرب المقبلة. يحتاجون إلى دولة يكون قرارها واحداً، وسيادتها كاملة، وأمنها حقاً لكل مواطن، عبر مسار انتقالي يعيد بناء المؤسسات ويكسر احتكارات الواقع القائم.
لبنان لا يُحمى عندما يكون ساحة صراع… بل عندما يصبح دولة لا يستطيع أحد استخدامها كساحة.
* كاتب وباحث سياسي












06/28/2026 - 15:44 PM





Comments