النظام الدولي بين التفكك وإعادة التكوين: بنية لامركزية لإدارة القوة

06/26/2026 - 11:33 AM

Prestige Jewelry

 

 

سيلفانا سمعان *

لم يعد النقاش حول النظام الدولي يدور ضمن سؤال الانتقال التقليدي بين قطبية أحادية أو متعددة، بل حول ما إذا كانت البنية التي تنظّم العلاقات بين الدول ما زالت تعمل كنظام بالمعنى المفاهيمي الكلاسيكي. المؤشرات الراهنة لا تدعم فرضية الانهيار الكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تعكس استمرارًا مستقرًا. ما يتشكل هو حالة وسطية: بنية تعمل وظيفيًا لكنها تفقد مركزها التنظيمي وقدرتها على فرض قواعد عامة ملزمة.

هذا التحول لا ينتج عن صعود قوة بديلة تحل محل أخرى، بل عن تآكل وظيفة “المركز” ذاته. القواعد لم تُلغَ، لكنها أصبحت انتقائية التطبيق. المؤسسات لم تنهَر، لكنها فقدت تدريجيًا قدرتها على فرض الامتثال. على سبيل المثال، بيانات صندوق النقد الدولي حول إعادة تشكيل سلاسل الإمداد تشير إلى انخفاض النمو في التجارة العالمية إلى ما دون مستويات ما قبل ٢٠٠٨، مع ارتفاع واضح في التوجه نحو تقليل المخاطر الجيوسياسية بدل تعظيم الترابط، ما يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة العولمة نفسها.

الولايات المتحدة ما زالت تمتلك تفوقًا مركزيًا في المجالين العسكري والمالي، لكنها تتحرك بشكل متزايد كمدير لمخاطر النظام وليس كمهندس له. الانسحاب من أفغانستان في أغسطس ٢٠٢١ بعد عشرين عامًا من الوجود العسكري لم يكن حدثًا تكتيكيًا بل إشارة إلى تقليص نموذج إدارة النظام العالمي المباشر. في المقابل، ارتفع استخدام الأدوات الاقتصادية بشكل غير مسبوق، إذ تشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية إلى أن عدد الكيانات الخاضعة للعقوبات الأميركية تضاعف تقريبًا بين ٢٠١٥ و٢٠٢٣. هذا يعكس انتقال القوة من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة السلوك عبر النظام المالي.

الصين تمثل نموذجًا مختلفًا في البناء السلوكي. مبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت عام ٢٠١٣ تجاوزت استثماراتها التراكمية تريليون دولار واحد وفق تقديرات البنك الدولي وبعض مراكز البحث بحلول ٢٠٢٣. لكن هذا التوسع الاقتصادي لم يُترجم إلى اندماج سياسي، بل تزامن مع تصعيد أمني متزايد، خصوصًا بعد قانون الأمن القومي في هونغ كونغ عام ٢٠٢٠، وتكثيف الأنشطة البحرية في بحر الصين الجنوبي. هنا يظهر تناقض بنيوي: اقتصاد عالمي مندمج مقابل أمن إقليمي تصادمي.

روسيا تقدم نموذجًا ثالثًا قائمًا على اختبار حدود النظام بالقوة الصلبة. الحرب في أوكرانيا منذ فبراير ٢٠٢٢ أعادت تفعيل منطق الردع العسكري في أوروبا. الرد الغربي لم يكن عسكريًا مباشرًا بل اقتصاديًا عبر حزم عقوبات تجاوز عددها خمسة عشر ألف إجراء فردي وجماعي وفق بيانات الاتحاد الأوروبي حتى ٢٠٢٤. هذه العقوبات أعادت تعريف الحرب بوصفها امتدادًا اقتصاديًا طويل الأمد وليس مواجهة عسكرية تقليدية. في الوقت نفسه ارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة تفوق ثلاثين بالمئة بين ٢٠٢١ و٢٠٢٤ وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، ما يعكس عودة منطق التسلح داخل اقتصاد مترابط عالميًا.

التحول الأعمق يتمثل في إعادة تعريف أدوات القوة نفسها. العقوبات الاقتصادية لم تعد استثناءً بل أصبحت آلية تشغيل مركزية. في حالة إيران مثلًا، بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام ٢٠١٨ وإعادة فرض العقوبات، تراجعت صادرات النفط من أكثر من ٢.٥ مليون برميل يوميًا إلى أقل من مليون في فترات متعددة وفق وكالة الطاقة الدولية. هذا يوضح كيف أصبح النظام المالي أداة ضغط جيوسياسي مباشرة وليس مجرد إطار اقتصادي محايد.

سلاسل الإمداد دخلت بدورها في منطق الأمن. أزمة أشباه الموصلات بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٣، خصوصًا خلال قيود التصدير الأميركية على الشركات الصينية عام ٢٠٢٢، أظهرت أن التكنولوجيا أصبحت نقطة اختناق استراتيجية. أكثر من ٦٠٪ من إنتاج الرقائق المتقدمة يتمركز في تايوان، ما يجعل أي اضطراب هناك أزمة نظام عالمي وليست أزمة إقليمية.

في الشرق الأوسط، يتبلور نموذج من الصراع التقليدي. العلاقة بين إسرائيل وإيران لم تعد ثنائية، بل شبكة ردع متعددة الطبقات تمتد عبر سوريا ولبنان وغزة والبحر الأحمر. بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، توسع الصراع ليشمل هجمات بحرية على مسارات التجارة في باب المندب، حيث انخفضت حركة السفن عبر قناة السويس بأكثر من ٤٠٪ في بعض أشهر ٢٠٢٤ وفق بيانات هيئة القناة. هذا يربط الأمن الإقليمي مباشرة بالتجارة العالمية.

الممرات البحرية أصبحت نقاط اختناق نظامية. مضيق هرمز يمر عبره نحو ٢٠٪ من تجارة النفط العالمية، وباب المندب يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. أي اضطراب في هذه النقاط لم يعد حدثًا محليًا بل صدمة فيزيائية للنظام الاقتصادي العالمي.

في أوروبا، أعادت الحرب في أوكرانيا تعريف الأمن القاري. ألمانيا التي كانت تنفق أقل من ١.٥٪ من ناتجها المحلي على الدفاع قبل ٢٠٢٢ أعلنت بعد الحرب عن صندوق خاص بقيمة ١٠٠ مليار يورو لإعادة التسلح. هذا يعكس نهاية افتراض الأمن المستورد وبداية إعادة بناء قدرة دفاعية ذاتية.

في البنية المالية العالمية، ما زال الدولار يمثل أكثر من ٥٨٪ من الاحتياطيات العالمية وفق صندوق النقد الدولي (٢٠٢٤)، لكنه يستخدم بشكل متزايد كأداة ضغط سياسي. تجميد احتياطيات روسيا الخارجية التي تجاوزت ٣٠٠ مليار دولار بعد ٢٠٢٢ شكّل سابقة في استخدام النظام المالي كأداة جيوسياسية مباشرة.

ضمن هذا السياق يتبلور نمط جديد: إدارة الصراع الدائم. لا توجد قدرة كافية لفرض تسويات شاملة، ولا رغبة في الانزلاق إلى حرب واسعة. النتيجة هي نظام منخفض الاستقرار تُدار فيه الأزمات بدل حلها. مع ذلك، هناك تفسير بديل: ما يحدث ليس تفكك النظام بل إعادة تكييفه. المؤسسات لا تختفي لكنها تفقد احتكارها، والتجارة لا تتراجع لكنها تتجزأ إلى تكتلات. لكن حتى في هذا السيناريو، يبقى العامل الحاسم هو غياب مركز قادر على فرض قواعد عامة ملزمة. ما يتغير ليس وجود النظام بل طبيعة السلطة داخله: من مركز واحد إلى توزيع متعدد للقوة.

أن النظام الدولي لم يعد يعمل كهرم سياسي، بل كبنية موزعة تُدار عبر أدوات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية متداخلة. هذا لا يمثل فوضى، بل انتقالًا إلى نموذج إدارة عدم يقين دائم، حيث يُعاد إنتاج التوازن بدل تثبيته. وما يبدو اليوم كتفكك للنظام قد يكون في جوهره تحولًا تاريخيًا من نظام مركزي إلى بنية لامركزية أكثر تشظيًا وأقل قابلية للضبط الموحد.

 

 * محللة سياسية واستراتيجية

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment