سيلفانا سمعان *
في لبنان، يمكن للحرب أن تؤجّل الانتخابات النيابية، لكنها لا تؤجّل الامتحانات الرسمية. يمكن للخطر أن يعطّل صندوق الاقتراع، لكنه لا يعطّل طريق الطالب إلى مركز الامتحان. يمكن للدولة أن تعترف بأن البلد لم يعد يحتمل استحقاقًا سياسيًا عامًا، لكنها تطلب من طلاب الشهادة الثانوية الرسمية أن يتصرّفوا كأن العام الدراسي كان طبيعيًا، وكأن المدارس لم تُقفل، وكأن النزوح لم يقع، وكأن الخوف لم يعطّل التعليم، وكأن العدالة يمكن اختصارها بثلاثة مواعيد على روزنامة. هنا لا تعود القضية تربوية فقط. هنا نحن أمام خلل في المنطق، وخلل في المعايير، وخلل أخطر في صدقية السلطة نفسها.
فالدولة التي ألغت امتحانات الشهادة المتوسطة لأن الحرب عطّلت التعليم، وشرّدت العائلات، وحوّلت مدارس إلى مراكز إيواء، عادت لتقول إن الظروف نفسها لا تمنع إجراء امتحانات الشهادة الثانوية الرسمية، بل تسمح بتقديمها على أنها تجسيد للعدالة التربوية. أي منطق هذا؟ كيف تصبح الحرب سببًا كافيًا لإلغاء امتحان في مرحلة، وغير كافٍ لإعادة النظر جذريًا في امتحان أكثر مصيرية، وأكثر تأثيرًا على مستقبل الطلاب الجامعي والمهني؟ وكيف تتحول المأساة نفسها إلى مبرّر هنا، وإلى ذريعة إدارية هناك؟
الوزارة قدّمت جوابها سلفًا: ثلاث دورات متتالية، مرونة، مراعاة للفوارق، وعدالة تربوية. لكن العدالة لا تُقاس بعدد المواعيد، بل بمدى تساوي شروط التعلّم قبل الوصول إلى الامتحان. أي عدالة بين طالب تابع دراسته في منطقة أقل اضطرابًا، وطالب نزح من منزله، أو تعطّل تعليمه، أو تحوّلت مدرسته إلى مركز إيواء، أو عاش أشهراً بين الخوف والانقطاع؟ وأي مساواة هذه التي تفترض أن ما هدمته الحرب يمكن ترميمه بثلاثة تواريخ؟
الحقيقة أن الدورات الثلاث لا تعالج أصل الخلل، بل تعيد تدويره. الطالب الذي خسر أشهرًا من التعليم لا يستعيدها بموعد ثانٍ أو ثالث. والطالب الذي عاش حربًا أو نزوحًا أو صدمة نفسية لا يصبح جاهزًا أكاديميًا لأن الامتحان انتقل من حزيران إلى تموز أو إلى دورة لاحقة. والطالب الذي لا يشعر بالأمان على الطريق لا تحميه كلمة مرونة في تعميم رسمي. ما يجري هو محاولة لمعالجة أزمة بنيوية في التعليم والأمان والاستقرار النفسي بمنطق إداري ضيق، كأن المشكلة في الروزنامة لا في الواقع نفسه.
لكن الظلم في هذا الملف لا يقف عند الحرب. هناك شريحة كاملة من طلاب الشهادة الثانوية الرسمية لا تنتظر فقط موعد امتحان، بل تنتظر مصير ملفات جامعية خارج لبنان. كثيرون منهم قدّموا إلى جامعات أجنبية، أو حصلوا على قبول مشروط، أو يسابقون مهلًا نهائية لتثبيت مقاعدهم وإرسال مستنداتهم الرسمية. بالنسبة لهؤلاء، لا تعني الفوضى الحالية توترًا إضافيًا فحسب، بل قد تعني خسارة قبول، أو منحة، أو سنة كاملة من حياتهم. حين تتأخر الامتحانات أو تتأخر النتائج، لا تكون الدولة قد أرجأت اختبارًا فقط، بل تكون قد علّقت مستقبلًا كاملًا لطالب التزم بمواعيد عالم لا يعترف بالفوضى اللبنانية. وهذا وحده يكفي لإسقاط أي خطاب يتحدث عن مصلحة الطلاب بصيغة عامة ومجردة، فيما جزء من هؤلاء الطلاب يُدفَع فعليًا إلى دفع ثمن قرار لم يُبنَ على حساب مصالحهم الحقيقية.
ثم تأتي طريقة إدارة الملف لتكشف ما هو أخطر من القرار نفسه. فمنذ البداية، لم يظهر المشهد كمشهد دولة تعرف ماذا تفعل، بل كمشهد سلطة تتأرجح بين الإبقاء والمراجعة، بين تعميم رسمي عن ثلاث دورات وبين كلام لاحق عن إعادة النظر، وتأجيل الدورة الأولى، والبحث في بدائل، والتشاور مع اللجان والجهات الأمنية. وهذا وحده فضيحة. لأن الطالب ليس تجربة قابلة للتعديل كل بضعة أيام، وليس مادة اختبار لمرونة الوزارة. حين يتعلّق الأمر بمصير عشرات آلاف الطلاب، لا يكفي أن تقول السلطة إنها “تدرس الخيارات”. كان يفترض أن تكون الخيارات مدروسة أصلًا قبل أن يتحول الطلاب والأهالي إلى رهائن للشائعات والتسريبات والرسائل المتناقضة.
هنا يبدأ السؤال الذي لا يبدو للوهلة الأولى تربويًا، لكنه في صلب القضية: ما الذي يجري الدفاع عنه فعلًا؟ هل هي الشهادة الرسمية كحق تربوي؟ أم الشهادة الرسمية كرمز سياسي وإداري لا تريد الدولة أن يظهر مهتزًا؟ لأن الفرق هائل بين حماية قيمة الشهادة، وبين التمسك بشكلها حين تتآكل شروطها. صدقية الامتحان لا تُحمى بالشعارات، بل بحماية بيئته: الأمان، وضوح القرار، الحد الأدنى من تكافؤ التحضير، ومراعاة المسارات الجامعية للطلاب. أما حين يصبح التمسك بالامتحان هدفًا بحد ذاته، فهنا لا يعود الحديث عن تربية، بل عن إدارة صورة.
ومن هنا، لا تعود الأسئلة الحساسة تشهيرًا، بل تصبح جزءًا من حق عام في المساءلة. فإذا كانت وزيرة التربية مصرّة إلى هذا الحد على إجراء الامتحانات، فمن حق الرأي العام أن يعرف: هل هذا الإصرار نابع حصراً من تقدير تربوي صرف؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى لم تُشرح للبنانيين كما يجب؟ ما حقيقة الكلام المتداول عن ربط إجراء الامتحانات باستمرار تمويل أو مساعدات مالية مرتبطة بالقطاع التربوي؟ لا توجد، حتى الآن، معطيات موثقة تسمح بتحويل هذا الكلام إلى اتهام مباشر، ولا يجوز التعامل معه كحقيقة منجزة. لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا مطالبة الناس بالصمت حيال شبهة بهذا الحجم، في ملف بهذا الحجم، في بلد لم تعد الثقة فيه تُمنح مجانًا، بل تُنتزع بالشفافية.
والأمر لا يتوقف عند الشبهات المتداولة حول المال. فحين يثار أصلًا جدل حول وجود شقيق الوزيرة في موقع استشاري داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالقرار، ثم يُجاب عن الأمر بمنطق الثقة الشخصية والكفاءة المفترضة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا لا أقل. المسألة هنا ليست عائلية ولا شخصية. المسألة مؤسساتية بامتياز. حين تكون الوزارة في قلب أحد أكثر الملفات حساسية في البلد، يصبح من حق الناس أن تسأل عن معايير التعيين، وعن حدود النفوذ، وعن طبيعة الحلقة التي تُصاغ داخلها القرارات، وعن سبب كل هذا الإصرار على طلب الثقة بدل تقديم أعلى درجات الشفافية. في الدول الطبيعية، لا تُعتبر هذه الأسئلة إساءة، بل الحد الأدنى من الرقابة على سلطة تطلب من الناس أن يسلّموا لها بمستقبل أولادهم.
ولعلّ أكثر ما يفضح هذا الملف هو التناقض الأخلاقي قبل الإداري. فالدولة التي قالت إن الحرب تبرّر تأجيل الانتخابات النيابية، لا يحق لها أن تتصرّف كأن الخطر الأمني يصبح قابلاً للإدارة حين يتعلق الأمر بطلاب المدارس. والدولة التي اعترفت بأن الحرب عطّلت الشهادة المتوسطة، لا يحق لها أن تتظاهر بأن الحرب نفسها يمكن التحايل عليها في الشهادة الثانوية الرسمية عبر ثلاثة تواريخ وبعض الوعود بالمرونة. والدولة التي لم تستطع حماية انتظام الحياة العامة، لا يحق لها أن تطلب من الطالب وحده أن يكون أكثر انتظامًا من البلد، وأكثر صلابة من مؤسساته، وأكثر قدرة على التكيّف من سلطة لم تحسم حتى الآن ما إذا كانت تقرأ الواقع كما هو أو كما تريد له أن يبدو.
المشكلة، في النهاية، ليست في إجراء الامتحانات أو إلغائها. المشكلة في أن يُدار أخطر استحقاق تربوي في البلاد بمنطق الإنكار: إنكار أن التعليم اختلّ، وأن المساواة بين الطلاب مكسورة، وأن الأمان هشّ، وأن مستقبل قسم من هؤلاء مرتبط بجامعات ومهل خارجية لا تنتظر لبنان، وأن الثقة لا تُبنى بالتمسك بالقرار بل بشرح دوافعه كاملة وإخضاعه للمساءلة.
لهذا، ربما لم يعد السؤال: هل ستُجرى الامتحانات الرسمية أم لا؟ السؤال الأصدق والأقسى: ماذا يبقى من معنى الشهادة الرسمية حين تتحول من أداة لقياس الجدارة إلى أداة لاختبار قدرة الطلاب على تحمّل فوضى الدولة، وصمتها، وشبهاتها، وإصرارها على أن ما يعطّل الانتخابات لا يجب أن يعطّل الامتحان؟
* محللة سياسية واستراتيجية











06/24/2026 - 06:13 AM





Comments