بوتقة المواطنية ومعرفة الآخر

06/23/2026 - 08:06 AM

A

 

 

عصام عازوري *

لا يختلف إثنان في لبنان، وهذا أمر نا در جدًا، على أن بلدنا يجتاز مرحلة مصيرية، والبعض يقول أنها أزمة كيانية لا يمكن أن يتكهن أحد بنتائجها. ومن باب الاستسهال (أو حسن النيّة)، برزت مبادرة برعاية إحدى الشركات تعدنا بتعزيز المواطنية من خلال موقع إلكتروني وعدد من الفعاليات المتكررة والمجترة (مشاريع تخرج جامعي وبوسترات بيئية مدرسية ...)، وتوزيع ميداليات على عدد من المدارس المشاركة (تلك التي لم تتحول قسرا إلى مراكز إيواء ).

لكن زمن التحديات الكبرى يتطلب اجراءات غير اعتيادية، وحلولا مبتكرة بدلا من الاستعراضات التلفزيونية وحملات العلاقات العامة والاعلانات، ولو كانت لا تكلف الدولة شيئا مثل رحلات الوزيرة.

تعزيز المواطنية في لبنان لا بد وأن يتم من خلال عمل حقيقي يكسر جدران التقوقع والكراهية. ولعلها واحدة من المرات القليلة التي يمكن ان نستعين فيها بتاريخنا الحديث.

فالخطوة الفعلية لتعزيز المواطنية بعد اتفاق الطائف وحل الميليشيات، كانت في خدمة العلم، بوتقة المواطنية ومعرفة الآخر، حيث اختلط الشباب اللبناني في مكان واحد، فعرف البعض عادات بعض، تشاركوا التدريب والمخاطر والفاصوليا، وتعرفوا الى لبنان من خلال زياراتهم المتبادلة الى أماكن كانوا يجهلونها بسبب الحرب، ونشأت بينهم صداقات ما زالت مستمرة إلى اليوم، حتى أن بعضهم استقبلوا عائلات "رفاق خدمة العلم" في منازلهم خلال الحروب الأخيرة.

وقد أتيح لي شرف المشاركة في تنشئة هؤلاء الشباب عبر محاضرات حول ترسيخ السلم الاهلي من خلال احترام النصب التذكارية في مختلف المناطق اللبنانية، ولمختلف الجهات والفئات والأحزاب، وكم يسعدني أنني كلما التقيهم (رغم مرور ثلاثة عقود على ذلك) أن أشعر بلهفة اللقاء، وأن أدرك أن ما قلته ما زال راسخاً في قلوبهم.

صحيح أنني لست أول من يطرح العودة إلى خدمة العلم كدواء ناجع لتعزيز المواطنية، وأن عددا من الوزراء والنواب طرحوا الموضوع خلال السنوات العشر الماضية، لكن الوقائع تثبت أن الموضوع بات أكثر إلحاحًا اليوم في ظل ما نعيشه، وكم أتمنى أن يتوافق عشرة نواب (ممددين لأنفسهم)، من خارج الاصطفافات السياسية القائمة، لصياغة مشروع قانون عصري لخدمة العلم يستجيب لهذه الاولوية الوطنية، مستفيدين من ثغرات القانون السابق، يما يحقق التكامل المطلوب مع كل المبادرات الأخرى ... لعل وعسى.    

 

الكاتب عصام عازوري يُعدّ من الأصوات المهمة في المشهد السياسي والإعلامي، حيث يقدّم عبر بيروت تايمز مقالات تحمل مزيجاً من الرصانة اللغوية والرؤية السياسية والتحليلية والهادئة. يكتب عازوري بروح الباحث عن المعنى، ويقترب من القضايا الفكرية بعمق بعيد عن الانفعال، معتمداً أسلوباً واضحاً وسلساً يضع القارئ أمام فكرة ناضجة وصياغة متقنة.

يتميّز بحسّ نقدي رشيق وقدرة على التقاط التفاصيل التي تُهمل عادة في السرد التقليدي، ما يمنح نصوصه نبرة خاصة تعكس شخصية كاتب يتقدّم بثبات نحو مساحة أدبية وإعلامية أوسع.

حضور عصام عازوري في بيروت تايمز يضيف قيمة نوعية إلى المنصّة، ويَعِد بمسار مهني يرسّخ اسمه بين الأقلام الجديدة التي تستحق المتابعة.

 
 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment