بقلم: فرنسوا الجردي
لم تمضِ أيام على توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تفاهمات دولية تتحدث عن وقف الحروب واحترام سيادة الدول، حتى عاد إلى لغة التهديد والتلويح باستخدام أطراف إقليمية للضغط على دول أخرى. هذا التناقض ليس مجرد زلة سياسية أو تصريح عابر، بل يعكس نهجًا قائمًا على ازدواجية المعايير، حيث تُرفع شعارات السلام عندما تخدم المصالح الأميركية، فيما يُعاد استخدام منطق القوة والابتزاز السياسي عندما تقتضي الحسابات الاستراتيجية ذلك.
فكيف يمكن لرئيس يعلن دعمه لاستقرار المنطقة واحترام سيادة الدول أن يتحدث في الوقت نفسه عن إمكانية الاستعانة برئيس دولة مجاورة للتدخل في الشأن اللبناني؟ وكيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى وقف النزاعات وبين التلويح بفتح جبهة جديدة ضد لبنان؟
أحمد الشرع... فزاعة سياسية أكثر منه خيارًا واقعيًا
إن تصوير أحمد الشرع وكأنه أداة جاهزة بيد واشنطن يمكن تحريكها متى تشاء، يحمل في طياته قدرًا كبيرًا من المبالغة السياسية. فسوريا اليوم تواجه تحديات داخلية هائلة تتعلق بإعادة بناء الدولة والمؤسسات والاقتصاد، ولا تبدو في موقع يسمح لها بخوض مغامرات خارج حدودها.
لذلك، فإن التلويح باسم الشرع لا يبدو أقرب إلى خطة عملية بقدر ما هو محاولة لإثارة المخاوف النفسية والسياسية لدى اللبنانيين، وإرسال رسائل ضغط إلى أطراف إقليمية ودولية مختلفة. وفي الواقع، فإن أي تدخل عسكري سوري في لبنان، مهما كانت الذريعة، سيعني نسف كل الخطاب الدولي الداعي إلى احترام السيادة اللبنانية، وسيضع المنطقة أمام أزمة جديدة لا يحتاجها أحد.
تناقض صارخ مع مبدأ سيادة الدول
إذا كان المجتمع الدولي قد أمضى سنوات طويلة وهو يؤكد ضرورة احترام سيادة لبنان ومنع أي تدخل خارجي في شؤونه، فإن مجرد التلميح بإمكانية استخدام دولة مجاورة للضغط عليه أو التدخل فيه يشكل تناقضًا واضحًا مع هذه المبادئ.
السيادة ليست مبدأ يُطبَّق على بعض الدول ويُستثنى منه البعض الآخر. فإذا كان التدخل الخارجي مرفوضًا عندما تمارسه قوى لا تتوافق مع السياسات الأميركية، فإنه يبقى مرفوضًا أيضًا عندما يُطرح من قبل حلفاء واشنطن أو من تدعمهم. إن احترام سيادة الدول لا يمكن أن يكون شعارًا انتقائيًا يخضع للحسابات السياسية الآنية.
خطاب القوة بدل معالجة جذور الأزمة
تكمن المفارقة في أن الأزمات اللبنانية المعقدة لا يمكن حلها بالتهديدات أو الضغوط العسكرية. فالأزمة اللبنانية هي أزمة دولة ومؤسسات واقتصاد وحوكمة، وهي تحتاج إلى حلول سياسية داخلية وإلى دعم دولي لإعادة بناء الدولة، لا إلى المزيد من التصعيد. وعندما يُختزل المشهد اللبناني في مقاربة أمنية أو عسكرية، فإن ذلك يعني تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة والتركيز فقط على نتائجها.
فلبنان لا يحتاج إلى من يهدده من الخارج، بل إلى من يساعده على تثبيت مؤسساته الشرعية وتمكينها من ممارسة سلطتها الكاملة على أراضيه وفق الدستور والقانون.
وهم القدرة على إعادة رسم خرائط المنطقة
يبدو أن بعض التصريحات الأميركية ما زالت تنطلق من فرضية أن واشنطن قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق إرادتها، كما كان يُعتقد في مراحل سابقة. لكن الوقائع أثبتت أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة أحادية النفوذ، وأن التوازنات الإقليمية والدولية باتت أكثر تعقيدًا.
لذلك فإن الحديث عن تكليف هذا الطرف أو ذاك بتنفيذ أجندات ضد دولة أخرى يعكس قراءة قديمة للواقع السياسي، لا تنسجم مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فالنفوذ لا يعني القدرة المطلقة، والتحالفات لا تعني التبعية الكاملة، والدول ليست أدوات يتم تشغيلها وإيقافها بقرار خارجي.
لبنان ليس ساحة رسائل ولا صندوق بريد إقليمي
المؤسف أن لبنان غالبًا ما يتحول إلى منصة لتبادل الرسائل بين القوى الدولية والإقليمية. فكلما احتدمت الصراعات، وجد اللبنانيون أنفسهم في قلب المعادلات من دون أن يكون لهم دور في صنعها.
لكن التجارب السابقة أثبتت أن تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات لم ينتج سوى الدمار والانقسامات والخسائر البشرية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن أي خطاب يتحدث عن استخدام القوة أو الاستعانة بدول أخرى للتأثير على الواقع اللبناني يجب أن يُرفض من حيث المبدأ، بغض النظر عن الجهة التي يصدر عنها أو الهدف الذي يسعى إليه.
الخلاصة: بين الشعارات والممارسة
تكشف تصريحات ترامب مرة جديدة الفجوة الكبيرة بين الخطاب والممارسة في السياسة الدولية. فمن جهة تُرفع شعارات احترام السيادة ووقف الحروب، ومن جهة أخرى يُعاد التلويح بأدوات الضغط والتدخل والتهديد.
وإذا كان السلام الحقيقي يبدأ باحترام الدول وحدودها واستقلال قرارها الوطني، فإن أي حديث عن استخدام أطراف إقليمية ضد لبنان يتناقض مع هذه المبادئ ويضع مصداقية تلك التعهدات موضع تساؤل.
يبقى أن لبنان، رغم أزماته العميقة، ليس جائزة يتقاسمها الآخرون، ولا ساحة مفتوحة لتجارب النفوذ الإقليمي والدولي، بل دولة ذات سيادة لا يحق لأحد أن يتعامل معها كأداة في لعبة الأمم.











06/23/2026 - 08:23 AM





Comments