شبل الزغبي
في عالمٍ تحكمه الغرائز والطبيعة، نرى الأسد لا ينجح في الصيد إلا في ربع محاولاته. يركض، يطارد، يفشل، يعاود، يسقط، ثم ينهض. ومع ذلك لا يعرف اليأس طريقاً إليه. لا لأنه جائع فحسب، بل لأنه مفطور على فهم قانونٍ كونيٍّ عظيم: قانون الجهود المهدورة.
كل الكائنات في هذا الكون تعمل وفق هذا القانون. نصف بيوض الأسماك تلتهمها المفترسات، معظم الأمطار تهطل في المحيطات فلا تُسقي أرضاً، ملايين البذور تأكلها الطيور فلا تُثمر، ومع ذلك لا تتوقف الطبيعة عن المحاولة، عن التجدد، عن الإصرار على الحياة.
وحده الإنسان، وبالأخص في مجتمعاتٍ أرهقها الفساد والانهيار، يظن أن فشله في بضع محاولات يعني النهاية. وحده يظن أن الطريق المسدود هو قدرٌ أبدي، لا بوابة لعبورٍ جديد.
في لبنان، حيث خذلتنا الدولة وتآمر علينا الفاسدون، وحيث ينام الحلم في ظلّ الخراب، نحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نتعلّم من الأسد. أن نفهم أن الجهود المهدورة ليست خسارة، بل استثمار في الطريق إلى التغيير.
كل احتجاجٍ قُمنا به ولم يغيّر، كل صوتٍ ارتفع ولم يُسمع، كل فكرةٍ للإصلاح حوصرت هي ليست هدراً، بل خطوة في مسارٍ طويل نحو وعيٍ جماعي، نحو يومٍ يثمر فيه النضال. فانتفاضة الاستقلال عام ألفين وخمسة لم تُولَد من فراغ، بل من عقودٍ من الصمت المتراكم تحوّل في لحظةٍ واحدة إلى إرادةٍ لا تُردّ. وما انتفاضة السابع عشر من تشرين إلا دليلٌ آخر على أن الجهود التي تبدو مهدورة تختزن طاقةً تنفجر في وقتها.
لن نيأس من محاسبة المصارف وأصحابها الذين نهبوا ودائع اللبنانيين، سرقوا مدّخرات العمر، بتواطؤٍ مع منظومةٍ فاسدة حمتهم ولا تزال. كل ملفٍّ يُفتح ويُغلق، وكل قاضٍ يُهدَّد أو يُشترى، وكل مسؤولٍ يتملّص من المحاسبة ليس انتصاراً للناهبين، بل جهدٌ مهدورٌ آخر يُضاف إلى رصيد الحساب الآتي لا محالة. ولن نتراجع عن تحرير لبنان من السلاح الإيراني غير الشرعي الذي دمّر وطننا وحوله إلى ساحةٍ للمشروع الخميني وورقةً في يد طهران. لن نتوقف عن المطالبة بمحاسبة قيادات حزب الله الإرهابية التي رهنت قرار لبنان لولي الفقيه وزجّت بأبنائنا في حروبٍ لا تعنينا. فكل ضغطٍ يُمارَس علينا ليس استسلاماً حتمياً، بل جهدٌ مهدورٌ آخر يُعجّل بلحظة الحساب التي لا مفرّ منها.
أيها اللبناني، لا تظن أن تعبك يضيع، أو أن جهدك بلا معنى. التاريخ لا يُكتب من أول محاولة، والوطن لا يُبنى من أول انتفاضة.
قد تفشل اليوم، وقد تُكسر غداً، لكنك إن توقفت عن المحاولة تكون قد خسرت فعلاً. واعلم أن الفاسدين يعلمون هذا جيداً، لذلك يزرعون فيك اليأس عمداً لأن يأسك هو سلاحهم الأخير الذي لم يستطع أحدٌ مصادرته منهم. فلا تمنحهم إياه.
إستمر…
كالأرض التي تعطي رغم القحط، كالنهر الذي يشقّ صخره ليصل، كالأسد الذي لا يعرف الاستسلام.
إن الإصلاح ليس ضربة حظّ، بل مسيرة من الجهود المهدورة التي تصنع في النهاية النجاح الحتمي.
ففي قانون الحياة، وفي قانون لبنان الجديد، لا يفشل من يستمرّ.












06/21/2026 - 08:33 AM





Comments