فؤاد أبو ناضر... حين ينتصر الإنسان على السلطة

06/20/2026 - 07:44 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

في زمنٍ باتت فيه السياسة عند كثيرين طريقاً إلى النفوذ والمناصب، يبرز فؤاد أبو ناضر نموذجاً مختلفاً لرجلٍ اختار أن يكون في خدمة الناس لا في خدمة السلطة، وأن يبقى قريباً من معاناة المواطنين بدل أن ينشغل بحسابات المواقع والمكاسب.

عرف اللبنانيون فؤاد أبو ناضر قائداً عسكرياً في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وصعوبة في تاريخ لبنان، لكنه عرف أيضاً كيف يتخذ القرار الأصعب عندما شعر أن الصراع الداخلي بين الإخوة يهدد بإغراق المجتمع المسيحي واللبناني بمزيد من الدماء. يومها فضّل الانسحاب من المشهد العسكري والسياسي على أن يكون طرفاً في حرب عبثية على السلطة، فاختار التضحية بالموقع حفاظاً على الإنسان.

ذلك القرار لم يكن تراجعاً، بل كان تعبيراً عن شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة رجلٍ يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، ويؤمن أن قيمة المسؤولية تكمن في حماية الناس لا في التمسك بالمراكز.

واليوم، وبعد عقود على تلك المرحلة، ما زال فؤاد أبو ناضر يمارس رسالته الوطنية والإنسانية من موقع مختلف. فمن خلال جمعية "نورج"، يقود واحدة من أهم المبادرات الاجتماعية والإنسانية التي تستهدف دعم أبناء الجنوب عموماً، والقرى المسيحية خصوصاً، لمساعدتهم على البقاء في أرضهم رغم الحروب والدمار والأزمات الاقتصادية الخانقة.

ففي الوقت الذي دفعت فيه الظروف القاسية آلاف العائلات إلى التفكير بالهجرة أو النزوح، اختار أبو ناضر أن يخوض معركة الصمود. معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالمحبة والتضامن والعمل الدؤوب. فمن تأمين المواد الغذائية والملابس والمستلزمات الأساسية، إلى دعم المدارس والتلامذة، مروراً بتوفير المحروقات والاحتياجات المعيشية، تعمل "نورج" على تثبيت الناس في أرضهم وحماية وجودهم التاريخي والإنساني.

ما يميز فؤاد أبو ناضر ليس فقط حجم العمل الذي يقوم به، بل الروح التي تحركه. فهو لا يسعى إلى أضواء الإعلام ولا إلى تسجيل الإنجازات باسمه، بل يعمل بصمت وإصرار، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: أن يبقى الإنسان اللبناني متمسكاً بأرضه وكرامته وجذوره.

لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل برجال يؤمنون بالفعل أكثر من الكلام. وفؤاد أبو ناضر واحد من هؤلاء الرجال الذين اختاروا أن تكون خدمتهم للوطن من خلال خدمة الإنسان. فهو لم يطلب منصباً، ولم يلهث وراء مركز، ولم يجعل من تاريخه وسيلة للنفوذ، بل حوّله إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية مستمرة.

في مسيرته تتجسد صورة المواطن الذي فهم أن الوطنية ليست خطاباً يُلقى في المناسبات، بل التزام يومي تجاه الناس والأرض. لذلك نجح في أن يحصد احترام خصومه قبل أصدقائه، لأن العمل الإنساني الصادق يتجاوز الانقسامات والحسابات الضيقة.

إن تكريم شخصيات من طراز فؤاد أبو ناضر لا يكون بالكلمات فقط، بل بالاعتراف بأن لبنان ما زال يملك رجالاً يؤمنون بالرسالة أكثر من السلطة، وبالخدمة أكثر من الزعامة، وبالإنسان أكثر من أي اعتبار آخر.

فؤاد أبو ناضر ليس مجرد رئيس جمعية أو شخصية سياسية سابقة، بل هو تجربة وطنية وإنسانية تستحق التقدير. رجل اختار أن يكون خادماً لشعبه، فصار في نظر كثيرين أكبر من أي منصب، وأوسع من أي موقع، وأقرب إلى معنى الوطن الحقيقي الذي يُقاس بحجم العطاء لا بحجم السلطة.

تحية تقدير ووفاء للدكتور فؤاد أبو ناضر، الذي أثبت أن أعظم القادة هم أولئك الذين يختارون خدمة الإنسان قبل أي شيء آخر.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment