الإستراتيجية التنموية المركزية: تجربة إقتصادية ناجعة وناجحة

04/21/2019 - 21:01 PM

اطلس للترجمة الغورية

 

فؤاد الصباغ*

مما لا شك فيه تعد إستراتيجيات التنمية الإقتصادية ومخططاتها الإستشرافية في مجملها من أهم الركائز الأساسية للإقتصاديات الوطنية في معظم دول العالم. فالرؤية الإستشرافية البعيدة الأمد قصد تحقيق أهدافا معينة وفي وقتا معين طبقا للمكاسب الوطنية والموارد المالية المتوفرة أولبرامج مستقبلية مزمع إنجازها في البنية التحتية والتي تمثل في جوهرها القاعدة الأساسية لتنفيذ المخططات التنموية منها الرباعية أوالخماسية.

كما تتفرع إستراتيجيات التنمية إلي ثلاثة أنواع رئيسية وهي كتالي الإستراتيجية التنموية الرأسمالية الليبرالية والإستراتيجية التنموية اللامركزية لتحقيق الحاجيات الأساسية والإستراتيجية التنموية المركزية والمعروفة بالإستراتيجية التنموية الإشتراكية.

فهذه الأخيرة تعتبر من أهم الإستراتيجيات التنموية نظرا لأنها تساهم بصفة ناجعة وناجحة في تحقيق العدالة الإجتماعية وفي توزيع الثروة الوطنية علي كافة أفراد المجتمع. إن مركزية القرار الإقتصادي المختزل لدي القطاع العام الحكومي يمثل أفضل بديل لتلك الإقتصاديات الرأسمالية السيئة والتعيسة داخل الدويلات الصغيرة التي يدريها لوبي رجال المال والأعمال. بالتالي نلاحظ أينما وجدت السياسات الإقتصادية الليبرالية والرأسمالية خاصة بالبلدان الفقيرة ذات الإقتصاد الوطني الهش نجد الأزمات المالية والإحتجاجات الشعبية.

إن التنمية الإقتصادية في الدول الفقيرة تحتاج إلي عناية وإهتمام أكبر من تلك المنجزة في الدول الغنية. بالتالي نظرا للإفتقار للبنية التحتية المتطورة والمواد الأولية اللازمة لمجابهة المتغيرات العالمية أولتغطية هشاشة المنظومة المالية والبنكية تكون في المقابل نظريات تطبيق الإقتصاد الإشتراكي الماركسي هي الأفضل في محتواها وأهدافها المستقبلية. فالتنمية في مفهومها الكلي لا تعني فقط تحقيق نمو إقتصادي جزئي بل هي تشمل أيضا الشريان الحيوي للإقتصاد الكلي بحيث تتفرع إلي تنمية مالية، صناعية، تجارية وأيضا إلي تنمية مستدامة.

ففي هذا الإطار يجب تحديد القاعدة الإقتصادية الأساسية وتحديد الإمكانيات المالية المتوفرة لتلك الدول الفقيرة لمجابهة إندماجها في تكتلات الفضاء التجاري والمالي المشترك. فبالنتيجة إذا كانت تلك الإقتصاديات تعاني بالفعل من هشاشة هيكلية في بنيتها التحتية منها المالية والمصرفية، فلا يمكنها بأي حال من الأحوال مجابهتها للقدرة التنافسية الشرسة في الأسواق العالمية نظرا للضرر الذي يمكن أن تتكبده مؤسساتها وشركاتها الصناعية ولوأنها تعتمد على السياسات الجمركية الحمائية.

 فمن أهم تلك التجارب التنموية الإشتراكية بالوطن العربي نذكر بالأساس التجربة الليبية في عهد حكم العقيد معمر القذافي والعراقية في عهد حكم صدام حسين والتجربة الحالية بالجزائر وسورية. إذ في هذا الصدد كانت الأسعار للسلع الإستهلاكية منخفضة جدا داخل المنظومة الإقتصادية لتلك الأنظمة الحاكمة بحيث كانت المنتجات الأساسية كالخبز والسكر والملح والحليب تحظي بالدعم الحكومي عبر صناديق التعويض. أيضا نذكر تجربة دولة الجزائر الشعبية الديمقراطية التي توفر لمواطنيها إستهلاك الماء الصالح للشراب بصفة مجانية وأيضا العديد من الخدمات الأخري المجانية كالتعليم والصحة وغيرها من الفوائد والمنح الحكومية.

إن الإستراتيجية التنموية المركزية أو بالأحري الإشتراكية تحقق للطبقات الإجتماعية الفقيرة الرخاء والإزدهار بحيث تساهم صناديق الدعم والتعويض في تقليص نسبة الفقر بين الأفراد والجهات وتساهم في تحفيز التنمية الإقتصادية منها إنشاء الصناعات الثقيلة العملاقة والتي تشغل الآلاف من العاطلين. إن المأساة الحقيقية لتلك الشعوب الثائرة في الدول الرأسمالية عبر إحتجاجاتها المتتالية تبرهن للعالم كله عن مدي السخط والتذمر الشعبي من تلك الأنظمة الليبرالية التعيسة والتي كرست مبدأ المحسوبية ودعم الطبقات الغنية على الفقيرة بحيث زادت نسب البطالة والفقر بتلك البلدان مع الغياب الكلي لأبسط الحقوق الشعبية ماديا ومعنويا.

إن التجربة الإقتصادية الحالية لأغلب دول العالم أثبتت فشل تلك السياسات الإقتصادية الرأسمالية التحررية بحيث كانت نتائجها وخيمة علي جميع الأصعدة والتي ساهمت بالنتيجة في بروز كوارث إجتماعية حقيقية مع تزايد سلسلة الأزمات المالية المتتالية نذكر منها خاصة سيناريوأزمات الديون السيادية بدول أمريكا اللاتينية أوالأزمات المصرفية بدول جنوب شرق آسيا. أيضا تكون أغلب الأسعار للمواد الإستهلاكية مرتفعة جدا بتلك الأنظمة الحاكمة الليبرالية مع غياب الدعم للمواد الأساسية بحيث ترهق الضرائب الجبائية على المداخيل وزيادة الأسعار مع إنخفاض الأجور عبء مصاريف إضافية علي الطبقات الإجتماعية الفقيرة مما تنتج بالنتيجة تلك الإحتجاجات الشعبية المطالبة بتحقيق "العدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثورة الوطنية".

إذا تعد إستراتيجية التنمية الإقتصادية المركزية بالدول الفقيرة في جوهرها الضامن الرئيسي لإستقرار ولإزدهار تلك الدول ورخاء شعوبها المهمشة والمحتاجة. بالتالي تتلخص هذه الإستراتيجيات التنموية في التوزيع العادل للثروة الوطنية بالتساوي علي جميع أفراد المجتمع، تدخل الدولة مباشرة في جميع القطاعات الحيوية الإقتصادية، إعتماد القطاع العام كمحرك رئيسي للتنمية، ضبط الأسعار بالأسواق مع توفير الدعم للمواد الأساسية، تحديد سعر صرف عملة مستقر من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية، وتوفير التعليم العام المجاني، الصحة المجانية والنقل المجاني.

إن أغلب دول العالم الفقيرة غير قادرة علي تحمل عبء تطبيق النظريات الرأسمالية التي لا تراعي للحد الأدني من مصالح الطبقات الإجتماعية المهمشة والمحتاجة وتقتصر مزاياها فقط علي تلبية الحاجيات الأساسية لقلة قليلة من أفراد المجتمع تختزل في دائرة رجال المال والأعمال. كما لا يمكن أيضا بتحرير الأسعار والأسواق في منظومة تعاني بدورها من الهشاشة المالية والهيكلية وغير قادرة علي مجابهة المصاعب والأزمات الإقتصادية التي تتكبدها في عجز ميزانياتها بحيث تتحول تلك العوائق والسلبيات في معظمها إلي ثورات إحتجاجية نتيجة لتدهور المقدرة الشرائية والظروف المعيشية السيئة جدا والبطالة طويلة الأمد والتشغيل الغير قار بأجور زهيدة.

عموما تعد الإستراتيجية التنموية المركزية أفضل تجربة إقتصادية ناجعة وناجحة بحيث تساهم في تقليص نسبة الفقر بين الطبقات والجهات وفي تحقيق العدالة الإجتماعية عبر التوزيع العادل للثروات الوطنية. أيضا تساهم في القضاء علي البطالة الطويلة الأمد وعلي الإستغلال التعسفي لليد العاملة الكادحة من قبل تلك الدائرة من رجال المال والأعمال التي لا تراعي أبسط الحقوق لتلك الطبقات الفقيرة. كما تساهم أيضا في القضاء علي ظاهرة التشغيل بالتعاقد والغير قار الذي يبتز حقوق الإطارات العاملة منها حقها في التغطية الإجتماعية وغيرها من الحقوق الوطنية.

بالتالي تكون لتوزيع الثروة الوطنية علي مختلف الطبقات الإجتماعية نتائج إيجابية تسمح للدولة بتحقيق نموإقتصادي جيد وإنجاز قفزة نوعية علي مستوي تطوير البنية التحتية. كما تقضي بصفة نهائية علي تلك الثورات الإجتماعية والتي كانت معبرة بكل وضوح للعالم كله من خلال العصيان المدني والتمرد الشعبي عن مدي سخطها الكامل وعدم رضاها الشامل علي تلك الأنظمة الرأسمالية السيئة التي سلبت أغلب حقوقهم الوطنية.

*باحث اقتصادي دولي

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment