سيّدةُ لبنان… وأبو لبنانَ الكبير

06/12/2026 - 10:26 AM

Prestige Jewelry

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

لا أستطيعُ أن أقفَ متفرّجًا فيما جسدُ وطنِ الرسالةِ يُمزَّقُ بالرصاص، ويُحرَقُ بالنار، ويُقسَّمُ بالحديد والمتاريس. أيُّ مصيرٍ هذا الذي يُدفَع إليه لبنان؟ أَهكذا يُجازى الودعاءُ والرّحماءُ والعلماءُ الذين صنعوا الحرفَ قبل السلاح، وبنوا مدارسَ العلم والقلم لا حقولَ الألغام والصواريخ والرؤوس النوويّة؟

إلى متى، يا ربّ، يبقى الإنسانُ أسيرَ الحسدِ الشيطانيّ، منجذبًا إلى عبادةِ القوّةِ الغاشمةِ القاتلة؟ أما تعلّم البشرُ من التاريخ أنّ العنفَ لم يحلّ يومًا أزمةً إنسانيّةً أو قانونيّةً أو سياسيّةً أو حضاريّة؟

في مواجهةِ كلّ الأساليبِ المخادعةِ التي عرفها لبنانُ عبر تاريخه القديم والحديث، أقفُ مستنيرًا بقوّةِ الروحِ القدس، روحِ الحقّ والعدل، روحِ الله الذي يهبّ حيث يشاء، لا كما تشتهي أهواءُ البشر ولا كما يحرّك الشرّيرُ أدواته.

وإنّ أبا لبنانَ الكبير، البطريركَ إلياس الحويّك، يبقى المثالَ الأسمى في هذا الزمن القاحل. يكفي أن نتأمّل في سيرته: وُلد في حلتا البترونيّة في الرابع من كانون الأوّل 1843، ورحل إلى بيت الآب ليلة الميلاد في الرابع والعشرين من كانون الأوّل 1931. لم يبلغ قمم القداسة بطموحٍ أرضيّ، ولا خدم سلطةً دنيويّة، بل ارتفع بنعمة الله، وبشفاعة مريم، وببطولة الفضائل الإنجيليّة، حتى صار شاهدًا حيًّا للرحمة الإلهيّة.

منذ بداياته، لبنانُ كان مسرحًا للتوتّرات والانقسامات. عايش القلاقل والمجازر والمجاعة، لكنّه لم ينكسر، لأنّه كان ابنَ الإنجيل وتلميذَ المسيح الأمين. حمل صليبَه منذ الصغر، وآمن أنّ من كان للعذراء عبدًا بالمحبّة والوفاء لن يناله الهلاك. وثق بأنّ يسوع هو الطريق والحق والحياة، وأنّ أعظم قوّة في العالم هي المحبّة. لم ينسَ صرخة القديس بولس: «المحبّة لا تسقط أبدًا»، فعاشها وعلّمها وزرعها في ذاكرة الوطن، مردّدًا: «علينا أن نحبّ الوطن».

اختبر بالمعاناة أنّ لبنان وطنُ المحبّة والرحمة، وطنُ السلام والرسالة، وطنُ اللقاء بين الأديان والثقافات. كان يؤمن أنّ الأديان مدعوّة إلى الحوار والتلاقي والتسابق في خدمة الإنسان والعدالة والخير.

ولهذا أراد للبنان الكبير أمًّا ليست كسائر الأمهات: أمًّا نقيّةً أنقى من النور، وفيّةً أقوى من الخوف والصليب، حنونًا ورفيقةً، شامخةً كجبال لبنان، راسخةً كأرز الرب. إنّها سيّدةُ لبنان، الممتلئة نعمة، التي منها أشرق نور الخلاص. هي عروس الروح، وأمّ ترافق أبناءها في المحن، وفي نهاية الأزمنة كما تؤمن الكنيسة سينتصر قلبها الطاهر.

نعم، في ختام كلّ صراعٍ وانقسام، سينتصر قلبُ سيّدةِ لبنان، ومعه ينتصر لبنانُ الذي حلم به البطريرك الحويّك: لبنان الحرّية والكرامة والعيش المشترك.

انظروا حولكم: أليست سيّدةُ لبنان اليوم حاضرةً في أصقاع الأرض كلّها، في قلوب أبنائها المنتشرين بين الأمم، شاهدةً على رسالة لبنان الروحيّة والإنسانيّة؟

طوبى لك يا أبا لبنان الكبير. أنت الذي رفعتَ تمثالَ سيّدةِ لبنان فوق تلة حريصا، ليبقى منارة صلاة ورجاء للبنان والعالم. أليس ذلك إحدى عجائب العناية الإلهيّة التي استجابت لإيمانك وصلواتك؟

فلتبقَ سيرتُك نورًا لهذا الزمن، ولتبقَ سيّدةُ لبنان نجمةً تهدي السفينة وسط العواصف، حتى يبلغ وطنُنا مرفأ السلام والمحبّة والقيامة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment