معتز فخرالدين *
إعادة تعريف الإقليم بين التفاهمات الكبرى وتعدد مستويات الأمن
تشهد المنطقة لحظة إعادة تشكّل هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في بنيتها، تقوم على إعادة ضبط التوازنات أكثر مما تقوم على الحسم العسكري المباشر أو التفكك الفوضوي المفتوح. وفي قلب هذه التحولات يطفو احتمال تفاهم أميركي–إيراني، لا بوصفه اتفاقًا تقنيًا محصورًا بالملف النووي، بل كإطار أشمل يعيد تعريف مستويات الاشتباك من النووي إلى الباليستي، ومن النفوذ الإقليمي إلى أمن الطاقة العالمي المرتبط بممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز. وفي هذا المستوى من التحول، لا يعود المسار مجرد تفاوض بين طرفين، بل مدخلًا لإعادة صياغة مفهوم الاستقرار نفسه في الشرق الأوسط، بما يحمله ذلك من تباين في الرؤى بين القوى المعنية به.
أولًا: واشنطن، من إدارة الصراع إلى هندسة التوازنات المرنة
تتحرك المقاربة الأميركية ضمن منطق يقوم على تقليل الانخراط المباشر وإدارة المخاطر بدل تفكيكها بالكامل، في إطار رؤية تعتبر أن استقرار الإقليم لا يُبنى عبر الحسم، بل عبر ضبط التوازنات وتخفيف قابلية الانفجار. غير أن هذا المنطق لا ينفصل عن طبقة أوسع من الحسابات تتجاوز الجغرافيا السياسية للإقليم نحو الاقتصاد العالمي، حيث يشكّل استقرار الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، جزءًا من معادلة الأمن الطاقوي وسلاسل الإمداد الدولية، بما يجعل إدارة التوتر جزءًا من إدارة الاقتصاد العالمي نفسه.
ثانيًا: إسرائيل، منع تشكّل “الهلال الاستراتيجي الإيراني”
في المقابل، تنطلق الرؤية الإسرائيلية من تصور أكثر تركيبًا للتهديد الإيراني، لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يمتد إلى بنية نفوذ إقليمي متشابك يعيد تشكيل موازين القوى على الحدود المباشرة لإسرائيل. ومن هذا التعريف، يتفرع اختلاف جوهري حول طبيعة الحل: إدارة هذا النفوذ ضمن سقوف، أم العمل على تفكيكه أو تقليصه إلى الحد الأدنى.
ثالثًا: التباين المركزي، تعريف الاستقرار نفسه
لكن جوهر الاختلاف بين واشنطن وتل أبيب لا يكمن في التفاصيل، بل في تعريف مفهوم الاستقرار نفسه: هل هو حالة تُدار وتُضبط، أم بنية تُعاد هندستها؟ ومن هنا، لا يبقى هذا الاختلاف نظريًا، بل يتجسد مباشرة في الساحات الأكثر هشاشة في الإقليم، وفي مقدمتها لبنان.
رابعًا: لبنان والجنوب، مسار تفاوضي برعاية أميركية وإعادة تموضع للنفوذ
يشكّل لبنان، ولا سيما جنوبه، نقطة التماس الأكثر حساسية في هذا التداخل، بحكم ارتباطه المباشر بأمن الجبهة الشمالية لإسرائيل وما يتصل به من اعتبارات استراتيجية تتعلق بحدود الردع والاستقرار الحدودي. وفي هذا السياق، لا يظهر المسار التفاوضي الجاري في واشنطن بين لبنان الرسمي وإسرائيل كتحرك منفصل، بل كجزء من إعادة ترتيب تدريجية لبنية الاشتباك، تنقل جزءًا من إدارة الصراع من الميدان العسكري إلى فضاء التفاهمات السياسية–الأمنية. لكن هذا التحول لا يمكن عزله عن البنية الإقليمية الأوسع، إذ يتقاطع مباشرة مع موقع لبنان داخل معادلة النفوذ المرتبطة بإيران، ومع وظيفة الساحة اللبنانية ضمن منظومة الردع الإقليمي، ما يجعل هذا المسار أحد تجليات إعادة توزيع أوراق النفوذ في الإقليم.
خامسًا: الباليستي والأذرع الإقليمية، المنطقة الرمادية في أي تفاهم
إلى جانب الملف النووي، يحتل البرنامج الباليستي والأذرع الإقليمية موقعًا مركزيًا في بنية التباين، بوصفها المساحة الأكثر تعقيدًا في ترجمة النفوذ الإيراني على الأرض. وفي هذا الإطار، كانت المؤشرات منذ البداية تميل إلى أن أي تفاهم محتمل لن يذهب إلى حسم هذه الملفات دفعة واحدة، بل إلى تأجيلها ضمن مقاربة مرحلية تُبقي جوهر التباين قائمًا، ولو تحت إدارة مؤقتة للتصعيد.
سادسًا: مأزق نتنياهو بين المحدودية الاستراتيجية واتساع الرهان
يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة تتجاوز القدرة على التأثير السياسي إلى حدود البنية الدولية نفسها، حيث لا تتطابق الأولويات الإسرائيلية بالضرورة مع منطق إدارة التوازن الذي تتبناه واشنطن. وهذا ما يجعل هامش الحركة الإسرائيلي محكومًا بتوازن دقيق بين الرغبة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية، والقدرة المحدودة على إعادة صياغة القرار الأميركي.
سابعًا: إعادة تشكيل الشرق الأوسط—تعدد مشاريع لا مشروع واحد
يتضح أن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مسارًا واحدًا لإعادة التشكيل، بل تراكب لمشاريع متعددة تتباين في تعريفها للتهديد، وفي أدواتها، وفي تصورها النهائي لشكل الاستقرار. فما يتضح تدريجيًا هو أن الاتجاه ليس نحو تسوية نهائية، بل نحو إدارة زمنية للصراع، تقوم على التهدئة المؤقتة وتأجيل العقد الكبرى، بما فيها الباليستي وشبكات النفوذ الإقليمي، إلى مراحل تفاوض لاحقة. وبذلك، فإن ما بدا تطورًا لاحقًا لم يكن خروجًا عن منطق التحليل، بل تجسيدًا عمليًا له: استقرار يُدار ولا يُحسم، وتفاهمات تُمدَّد ولا تُغلق.
بين هرمز ولبنان هندسة استقرار غير مكتملة
في المحصلة، لا يبدو التباين بين واشنطن وتل أبيب خلافًا حول اتفاق بعينه، بل اختلافًا أعمق حول طبيعة النظام الإقليمي المقبل نفسه. ومن مضيق هرمز، حيث يتقاطع أمن الطاقة العالمي مع معادلات الردع، إلى جنوب لبنان حيث تتداخل خطوط التماس مع هندسة التوازنات، تتحدد ملامح شرق أوسط لا يُعاد تشكيله باتجاه واحد، بل عبر طبقات متراكمة من الاستقرار غير المكتمل.
* كاتب وباحث سياسي










06/12/2026 - 10:15 AM





Comments