العراق على حافة فقدان أحد أقدم مكوّناته: تحقيق إنساني موسّع في التهديدات الوجودية التي تطوّق المسيحيين

06/12/2026 - 09:20 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

‫مار بولس الثالث نونا ...‬‎
البطريرك بولس الثالث نونا

 

المسيحيون في العراق بين مطرقة الميليشيات وسندان الهجرة:
تحقيق إنساني موسّع في مرحلة مفصلية بعد تنصيب البطريرك بولس الثالث نونا

 

بغداد - تقرير الاب البر حبيب عساف

لم يكن صباح سهل نينوى يشبه أي صباح آخر. الضباب الذي يعلو سهول القرى المسيحية لم يعد مجرد ظاهرة طبيعية، بل صار استعارة يومية للغموض الذي يلفّ مستقبل هذا المكوّن العريق. في الأزقة التي ما زالت تحمل آثار الحرب، وفي البيوت التي عادت إليها الحياة على استحياء، يتردّد سؤال واحد: هل ما زال للمسيحيين مستقبل في العراق؟

هذا التحقيق يتابع، بتوجيه من الخوري البر عسّاف، ما كشفه تقرير “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” الأميركية (FDD) حول التهديدات الوجودية التي لا تزال تحاصر المسيحيين في العراق، رغم مرور سنوات على هزيمة تنظيم داعش. لكن خلف الأرقام والبيانات، هناك وجوه، وذاكرة، وقلق يومي يعيشه الناس الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الميليشيات وسندان الهجرة.

نزيف ديموغرافي لا يتوقف

حين كان العراق يضمّ نحو 1.5 مليون مسيحي قبل عام 2003، لم يكن أحد يتخيّل أن ينخفض العدد إلى أقل من 150 ألفاً خلال عقدين فقط. هذا الانهيار الديموغرافي ليس مجرد رقم، بل هو انهيار لوجود تاريخي يمتدّ لآلاف السنين، من نينوى إلى الموصل، ومن قرقوش إلى تلكيف وتلسقف.

يقول أحد أبناء برطلة، وهو رجل ستيني عاد إلى منزله بعد سنوات من النزوح: "نحن لا نخاف من الموت، لقد رأيناه كثيراً. نحن نخاف من الاختفاء، من أن نصبح مجرد ذكرى في كتب التاريخ."

التقرير الأميركي يؤكد أن هذا التراجع لم يتوقف حتى بعد هزيمة داعش، بل إن التهديدات تغيّرت شكلًا فقط، بينما بقيت النتائج واحدة: نزيف مستمر، وهجرة بلا عودة.

من القاعدة إلى داعش… ثم إلى الميليشيات

منذ عام 2003، عاش المسيحيون سلسلة من الكوارث الأمنية:

- تفجيرات الكنائس في بغداد والموصل

- اغتيالات وخطف رجال الدين

- تهجير قسري من أحياء كاملة

- ثم الكارثة الكبرى عام 2014 حين اجتاح داعش الموصل وسهل نينوى

في تلك الفترة، تحوّلت القرى المسيحية إلى مدن أشباح. الكنائس أُحرقت، الأديرة نُهبت، والبيوت صارت مقارّ عسكرية. آلاف العائلات هربت إلى كردستان أو خارج العراق، وبعضها لم يعد حتى اليوم.

لكن المفارقة المؤلمة أن هزيمة داعش لم تجلب الاستقرار. فبحسب تقرير FDD، حلّت مكانه سلطة الفصائل المسلحة التي باتت تتحكم بالمشهد الأمني والاقتصادي في مناطق واسعة من سهل نينوى.

أحد الشباب من قرقوش يروي: "حين عدنا بعد التحرير، ظننا أن الأسوأ انتهى. لكننا اكتشفنا أن هناك قوى جديدة تريد أن تتحكم بكل شيء: الأمن، التجارة، الوظائف، وحتى من يدخل ومن يخرج".

حكم الفصائل… دولة داخل الدولة

التقرير يشير بوضوح إلى أن الميليشيات باتت تشكّل العقبة الأكبر أمام عودة النازحين. فوجودها المسلح، ونقاط التفتيش التي تديرها، والتدخل في الحياة اليومية، كلها عوامل تجعل الحياة غير مستقرة.

في بعض القرى، يضطر السكان إلى دفع “رسوم غير رسمية” للحصول على خدمات بسيطة. وفي مناطق أخرى، تُفرض قيود على حركة البضائع، ما يرفع الأسعار ويخنق الاقتصاد المحلي.

يقول أحد الكهنة في سهل نينوى: "نحن لا نريد صداماً مع أحد. نريد فقط أن نعيش بسلام. لكن كيف يمكن أن تبني مجتمعاً بينما السلاح ليس بيد الدولة؟"

بطالة خانقة… وغياب فرص الحياة

إلى جانب الأمن، يواجه المسيحيون أزمة اقتصادية خانقة. فمعدلات البطالة مرتفعة جداً، خصوصاً بين الشباب. كثيرون يحملون شهادات جامعية لكنهم عاجزون عن إيجاد عمل، ما يدفعهم إلى التفكير بالهجرة.

شاب من تلكيف يقول: "أحب قريتي، لكن ماذا أفعل هنا؟ لا عمل، لا أمان، ولا مستقبل. كل أصدقائي هاجروا. بقيت وحدي تقريباً."

التقرير يؤكد أن غياب فرص اقتصادية حقيقية هو أحد أهم أسباب استمرار الهجرة، وأن إعادة إعمار سهل نينوى ما تزال بطيئة ومجزأة، ما يجعل العودة غير مغرية للنازحين.

تمثيل سياسي مشوّه… وكوتا بلا تأثير

رغم تخصيص خمسة مقاعد للمسيحيين في البرلمان العراقي، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه المقاعد تخضع عملياً لنفوذ الكتل السياسية الأكبر، التي تدعم مرشحين محسوبين عليها، ما يؤدي إلى تشوّه التمثيل الحقيقي للمسيحيين.

أحد الناشطين السياسيين يقول: "الكوتا تحولت إلى أداة بيد الآخرين. نحن ممثلون شكلياً فقط. لا أحد يسمع صوتنا الحقيقي."

هذا الخلل السياسي يزيد من شعور المسيحيين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وأنهم غير قادرين على التأثير في القرارات المصيرية التي تخص وجودهم.

البطريرك بولس الثالث نونا… قيادة في لحظة حرجة

تنصيب البطريرك الجديد للكنيسة الكلدانية، بولس الثالث نونا، يأتي في مرحلة حساسة للغاية. فالمسيحيون بحاجة إلى قيادة روحية قادرة على:

- توحيد الصف المسيحي

- الضغط من أجل ضمانات سياسية وأمنية

- الدفاع عن الوجود التاريخي للمسيحيين

- التواصل مع المجتمع الدولي

- دعم مبادرات إعادة الإعمار

- حماية الهوية واللغة والتراث

البطريرك نونا، الذي عاش تجربة النزوح بنفسه حين كان مطراناً للموصل خلال اجتياح داعش، يدرك تماماً حجم التحديات. وقد قال في إحدى المناسبات: "نحن باقون، لكن البقاء يحتاج إلى إرادة، وإلى دولة تحمينا، وإلى مجتمع دولي لا يكتفي بالبيانات."

بين الخوف والأمل… يوميات الناس في سهل نينوى

في قرية تلسقف، تجلس أمّ فقدت منزلها خلال الحرب، وتقول: "عدنا لأننا لا نعرف مكاناً آخر. لكننا نعيش على أمل أن يكون الغد أفضل. لا نريد أن نترك قبور أهلنا."

وفي الموصل، شاب مسيحي يعمل في متجر صغير يروي: "المدينة تغيرت كثيراً. نحن نعيش بحذر. لكننا نريد أن نثبت أننا جزء من هذا البلد، مهما كانت الظروف".

هذه الشهادات تكشف أن المسيحيين يعيشون بين خوف يومي وأمل هشّ، بين رغبة في البقاء وواقع يدفعهم إلى الرحيل.

مستقبل المسيحيين… رهن الدولة العراقية والدعم الدولي

التقرير الأميركي يخلص إلى أن مستقبل المسيحيين في العراق يعتمد على:

- قدرة الدولة على الحد من نفوذ الفصائل المسلحة

- إعادة بناء مؤسسات الدولة في سهل نينوى

- توفير ضمانات أمنية حقيقية

- خلق فرص اقتصادية تمنع الهجرة

- دعم دولي فعّال وليس شكلياً

لكن السؤال الأكبر يبقى: هل تستطيع الدولة العراقية، في ظل الانقسامات الحالية، أن تقوم بهذه المهمة؟

أحد الأكاديميين العراقيين يجيب: "إذا لم تُحَلّ مشكلة السلاح خارج الدولة، فلن يكون هناك استقرار لأي مكوّن، وليس فقط المسيحيين".

وجود على حافة الهاوية

المسيحيون في العراق اليوم يقفون على حافة الهاوية. ليس لأنهم أقلية عددية فقط، بل لأنهم يعيشون في منطقة تتصارع فيها القوى الإقليمية والمحلية، وتُستخدم فيها الهويات الدينية كأوراق سياسية.

لكن رغم كل شيء، ما يزال هناك من يتمسّك بالأرض، بالكنائس التي أعيد ترميمها، بالمدارس التي فتحت أبوابها من جديد، وبالأجراس التي تقرع كل صباح لتقول: نحن هنا… ولن نختفي.

هذا التحقيق ليس مجرد عرض لوقائع، بل هو شهادة على صمود شعب يرفض أن يتحول إلى فصل منسي في تاريخ العراق. فالمسيحيون، رغم كل الجراح، ما زالوا يؤمنون بأن وطنهم يستحق فرصة أخرى، وأن وجودهم ليس عبئاً، بل جزءاً أصيلاً من هوية العراق.

ويبقى السؤال الذي يردده الجميع: هل يمنحهم العراق تلك الفرصة قبل فوات الأوان؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment