رشيد ج. مينا
التعاطي من غربة عن حقيقة الواقع اللبناني لا يمكن أن يخرج لبنان من النفق الذي دخله منذ أكثر من خمسين عامًا، كما لا يمكن أن يوقف العدوان الإسرائيلي، أو يستعيد القرار والسيادة، أو ينهي التدخلات الخارجية وتبعية بعض القوى الداخلية لها. فالحلول الصحيحة لا تولد من تشخيص خاطئ، والقراءة الواقعية لأي أزمة تبقى المدخل الإلزامي لأي معالجة جدية.
ومنذ الاستقلال، لم ينجح لبنان في تحويل مشروع الدولة إلى واقع مكتمل. صحيح أن الدولة قامت بمؤسساتها ودستورها وإداراتها، إلا أن مفهوم الدولة الوطنية الجامعة بقي أضعف من أن يتحول إلى مرجعية نهائية لجميع اللبنانيين. فبقيت الطائفة والمذهب والزعامة والعلاقات الخارجية تتقدم أحيانًا على مفهوم المواطنة والانتماء الوطني، الأمر الذي جعل الدولة عرضة للاهتزاز مع كل أزمة داخلية أو تحول إقليمي أو دولي.
ولم يكن لبنان فقط ضحية تركيبته الداخلية، بل كان أيضًا الأكثر تأثرًا بالأمواج السياسية والفكرية التي ضربت المنطقة العربية خلال العقود الماضية. فمن المد القومي العربي إلى الحركات اليسارية، ومن الكفاح الفلسطيني المسلح إلى صعود تيارات الإسلام السياسي، ومن الحرب الباردة إلى الصراعات الإقليمية المتعاقبة، كان لبنان أشبه بمرآة تعكس كل ما يجري حوله، بل كثيرًا ما تحول إلى الساحة التي تتصارع فوقها تلك المشاريع والأفكار.
ولم تكن المشكلة في الأفكار أو التيارات بحد ذاتها، بل في ضعف البنية الوطنية الجامعة. فالدولة القوية قادرة على استيعاب الاختلافات والتنوعات الفكرية والسياسية وتحويلها إلى مصدر غنى، أما الدولة الضعيفة فتتحول إلى ساحة مفتوحة تتنازعها الولاءات والانقسامات والمشاريع المتعارضة.
كما شهد لبنان انقسامات حادة بين معسكرات سياسية وفكرية متعددة. فانقسم اللبنانيون بين الشرق والغرب، وبين اليمين واليسار، وبين مشاريع قومية وأخرى ليبرالية أو دينية. إلا أن جوهر الانقسام بقي في كثير من الأحيان طائفيًا ومذهبيًا، حتى عندما ارتدى عناوين سياسية أو أيديولوجية مختلفة. وقد تجلى ذلك بوضوح مع انفجار الحرب اللبنانية عامي 1975 و1976، حين تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات العربية والإقليمية والدولية، وتقاطعت فوق أرضها مشاريع الفلسطينيين والسوريين والإسرائيليين والأمريكيين وغيرهم.
ومنذ ذلك الوقت، دخل لبنان النفق الطويل الذي لا يزال يعيش تداعياته حتى اليوم. فكل مرحلة كانت تنتهي إلى تسوية أكثر مما تنتهي إلى حل. وكل أزمة كانت تُرحّل إلى المرحلة التالية بدل معالجتها من جذورها. وكانت الصيغة السائدة في معظم الأحيان تقوم على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، فتتوقف المواجهات وتُعاد صياغة التوازنات، فيما تبقى أسباب الانفجار قائمة تحت السطح.
وفي كل مرحلة كانت طائفة تشعر بالغبن، أو مذهب يرى نفسه مستهدفًا، أو فريق يعتبر نفسه مهمشًا، فيما تتراجع الثقة بالدولة وتتسع الفجوة بينها وبين مواطنيها. وهكذا تراكمت الأزمات فوق الأزمات، وتبدلت القوى وتغيرت التحالفات وتنوعت الوصايات، لكن الأزمة بقيت واحدة: فشل تحويل مشروع الدولة إلى واقع معاش يشعر فيه المواطن بالأمان والعدالة والمساواة والانتماء الوطني.
كما لا يمكن إغفال أثر تراجع الدور العربي الجماعي في الشأن اللبناني. فالخلافات العربية ـ العربية، وانشغال العديد من الدول العربية بأزماتها وتحدياتها، أديا إلى انكشاف لبنان بصورة متزايدة أمام التدخلات الخارجية. بل إن بعض الصيغ التي حملت عناوين عربية لم تنجح في تحقيق الغاية التي أُنشئت من أجلها. ويبرز في هذا السياق نموذج قوات الردع العربية التي تحولت عمليًا إلى غطاء للوجود العسكري السوري، ما مهد لمرحلة طويلة من الوصاية والتدخل في القرار اللبناني خلال عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، وما رافق ذلك من ممارسات تركت آثارًا عميقة على الدولة اللبنانية ومؤسساتها وعلى حياة اللبنانيين.
وفي ظل هذا الواقع، تعاقبت التدخلات الخارجية وتبدلت أشكالها. فكما شهد لبنان النفوذ الفلسطيني والسوري، شهد لاحقًا تنامي الدور الإيراني مستفيدًا من الفراغ العربي ومن ضعف الدولة والانقسام الداخلي. وفي المقابل، استمرت إسرائيل في اعتداءاتها وحروبها وسياساتها التوسعية، مستفيدة من واقع عربي مأزوم ومنقسم، ومن ضعف لبنان وعجزه عن امتلاك عناصر القوة والسيادة الكاملة.
ولم تكن هذه السياسات وليدة اعتبارات أمنية ظرفية فحسب، بل ارتبطت بالمشروع الصهيوني الذي قامت عليه إسرائيل، وما يحمله من تصورات ومعتقدات تعتبر أمن الدولة العبرية وتفوقها وتوسيع نفوذها في المنطقة جزءًا من فلسفة قيامها واستمرارها. ومن هنا، أصبح العدوان والضغط وفرض الوقائع الجديدة واستثمار حالات الضعف والانقسام في البيئة العربية عناصر ثابتة في ممارساتها تجاه فلسطين ولبنان وسائر المنطقة العربية، بما يحقق مكاسب سياسية وأمنية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة.
ولعل ما يعيشه لبنان اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لكل تلك التراكمات. فالأزمة الحالية ليست أزمة حكومة أو رئاسة أو قانون انتخاب فحسب، بل حصيلة مسار طويل من الانقسامات والتسويات الناقصة والتدخلات الخارجية وغياب المشروع الوطني الجامع.
وأمام كل ذلك يبرز السؤال: هل تتيح التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم فرصة للبنان للخروج من النفق الذي دخله منذ أكثر من نصف قرن؟
لا شك أن الواقع لا يزال معقدًا ومتشابكًا، وأن المفاوضات الجارية بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية، رغم أهميتها، لا تبدو وحدها كافية لتحقيق الأهداف التي يتطلع إليها اللبنانيون، وفي مقدمها وقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق الأسرى، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة.
كما أن معالجة آثار النفوذ الإيراني وتداعياته، كما معالجة سائر التدخلات الخارجية، تبقى من الملفات الشائكة التي لا يمكن حلها بمنطق الغلبة أو الإلغاء، بل عبر مسار وطني طويل يعيد بناء الثقة بين اللبنانيين ويعزز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى دور عربي أكثر فاعلية في احتضان لبنان ومساعدته على استعادة توازنه واستقلاله، إدراكًا بأن استقرار لبنان وسيادته ليسا شأنًا لبنانيًا داخليًا فحسب، بل جزء أساسي من منظومة الأمن القومي العربي.
غير أن العامل الحاسم يبقى في الداخل اللبناني نفسه. فالوحدة الوطنية الشعبية، وتعزيز المواطنة، وبناء الثقة بين المكونات المختلفة، والانخراط الجدي في بناء الدولة ومؤسساتها، تشكل جميعها المدخل الضروري لأي حل مستدام. كما أن لبنان يحتاج إلى حوار وطني مسؤول لا يكتفي بإدارة الأزمات أو تأجيلها، بل يذهب إلى معالجة جذورها، ويضع خارطة طريق واضحة للنهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن لبنان لا يحتاج إلى أوهام جديدة ولا إلى شعارات إضافية، بل إلى قراءة صادقة لتجربته خلال العقود الماضية واستخلاص العبر منها. فوقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق الانسحاب، وإطلاق الأسرى، واستعادة القرار الوطني، وإنهاء التبعية والتدخلات الخارجية، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، ليست أهدافًا متناقضة، بل حلقات مترابطة في مشروع واحد عنوانه بناء الدولة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام اللبنانيين جميعًا: هل تكون التحولات التي تشهدها المنطقة بداية مرحلة جديدة تسمح بالخروج من نفق الخمسين عامًا، أم أن البلاد ستبقى أسيرة الحلقة نفسها من الأزمات والتسويات المؤقتة؟ إن الجواب لن يصنعه الخارج وحده، بل قدرة اللبنانيين على تحويل دروس الماضي إلى وعي وطني جامع، وعلى الانتقال من منطق الساحات والوصايات إلى منطق الدولة التي يشعر جميع أبنائها بأنها وطنهم النهائي ومرجعيتهم المشتركة ومصدر أمنهم ومستقبلهم.












06/10/2026 - 21:11 PM





Comments