بين صراع الهاشميين والأمويين والاختلاف الماروني الشيعي وكلام ترامب 666

06/10/2026 - 09:00 AM

A

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز 

في قراءة معمقة لما يشهده العالم من مخاضات كبرى، نجد أنفسنا أمام معادلات لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ والرمزية والجغرافيا السياسية؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضي، وفي جلسة خاصة مع أحد المقربين من الرئيس الراحل كميل شمعون، تبلورت أمامنا معادلة تختصر جوهر النظام العالمي القائم وتفسر سر البقاء اللبناني، وهي أن "لبنان كيان ماروني"، بمعنى أنه حيثما وجد الماروني في الجغرافيا اللبنانية وجد لبنان، وليس العكس. إن وجود الماروني في الجنوب أو الشمال هو الضمانة الوحيدة لبقاء هذه الأطراف جزءاً من الكيان، وهذا ما يفسر الموقف التاريخي لقداسة البابا لاون في دعم مسيحيي الجنوب بكل الوسائل، إدراكاً من الفاتيكان بأن رحيل الموارنة عن تلك الأرض، ولو قسراً، يعني حتماً سلخ الجنوب عن جسد الدولة اللبنانية.

هذا الواقع يفرض على الشيعة، كشريك أساسي، الخروج من عقدة الانتماء إلى "أمة إسلامية" لم تتقبلهم تاريخياً إلا بشروط التذويب العقائدي، فالمماليك أبادوهم، والعثمانيون اضطهدوهم عبر عزلهم عن المناصب وحرمانهم المكاسب حتى انهم فرضوا عليهم اشد انواع التمييز العنصري والعمل تحت "قانون السخرة" الجائر الذي أجبرهم على العمل والفلاحة بلا مقابل مع إلزامهم بإطعام وكسوة أنفسهم في واحدة من أغرب صور العبودية التاريخية، كما ان كل ما قدموه الشيعة على طريق القدس من تضحيات جسام لم يشفع لهم، او يقربهم من الامة الاسلامية. وفي الوقت الذي لم تمنح فيه الدول العربية الشيعة أي منصب رسمي حقيقي، كان الموارنة هم الوحيدون الذين حرصوا على احتضانهم، فمنحوهم الرئاسة الثانية وشرعنوا وجودهم في الدولة حيث اصبح للشيعي دور سياسي رسمي قبل سقوط العراق وتحول موازين القوى، مما يجعل التحالف "الماروني - الشيعي" ضرورة وجودية تتجاوز السياسة اللحظية.

وفي سياق التحولات الدولية الكبرى، يأتي تصريح دونالد ترامب في" 6 – 6 – 2026 (6-6-6) ليشكل منعطفاً خطيراً، حين تحدث عن رغبته في رؤية "هجمات جراحية" (Surgical Strikes) أكثر دقة لمواجهة التهديد الذي يمثله حزب الله، واعداً بمنح لبنان "حياة أفضل" عبر إشراك الإدارة السورية الجديدة كشريك فاعل في "تنظيف المسار".

"كلام ترامب ليس بجديدٍ عليَّ في إعلانه انطلاق العملية العسكرية ضد إيران وحزب الله؛ ففي 15 أيلول 2025، كنت قد حددتُ أن الحرب ستندلع في منتصف عام 2026، وذلك بناءً على فهمي بعلوم التواريخ التي تشكل منعطفات أساسية وهامة ومُلهمة لصنّاع القرار العالمي، لما تحمله من رمزية ودلالات عميقة."

وايضا كلام اردوغان اليوم ليس بجديد علي وهو يتحدث عن امن تركيا من خطر اسرائيل يبدا من بيروت، فقد كتبت وشرحت في 22 نيسان 2026 تحت عنوان "استراحة محارب في الصراع الشيعي الاسرائيلي" عن دور طرابلس لبنان في الصراع القادم والحرب الاسرائيلية التركية.

ولنا كلام عن الدور التركي منذ سنوات طويلة، لكن اليوم مع كلام ترامب ومسارعة تركيا عن استعدادها لدخول لبنان، في معركة ضد الشيعة او تحت ذريعة امن تركيا من اسرائيل يجعل لبنان ساحة حروب كبرى.

نعود للمربع الأول لصراع "بني هاشم وبني أمية"، حيث يُراد اليوم إحياء ذلك الشرخ تحت شعارات طائفية تحريضية. فالتاريخ يخبرنا أن هاشم بن عبد مناف، برمزية كرمه ورفادته وسقايته للحجاج، واجه حسد ابن أخيه أمية بن عبد شمس الذي حاول منافسته في الشرف وفشل، فانتهى به الأمر خاسراً في "المنافرة" أمام كاهن خزاعة، ليُنفى من مكة إلى الشام لمدة عشر سنين. تلك السنوات العشر كانت البذرة الأولى للنفوذ الأموي في الشام، حيث تأسست المصاهرات والتحالفات التي ورثها معاوية بن أبي سفيان لاحقاً، ليتحول الصراع من تنافس على الكرم في مكة إلى صراع وجودي في الشام امتدت آثاره حتى يومنا هذا.

اليوم، يبدو أن الأوان قد آن ليعود هذا الصراع إلى أصله، ليس كقتال دامي ينهش جسد الإسلام، بل كتنافس على الكرم وحسن الاستقبال والحياة. فالإحصاءات الصادرة عن مراكز أبحاث عالمية مثل "بيو" (Pew Research) تشير إلى كارثة كبرى؛ فبعد أحداث غزة، رُصدت أكبر موجة تحول ديني في الغرب، حيث تخلى أكثر من 60% من المسلمين الذين تركوا دينهم عن أي انتماء ديني (لادينيين)، بينما اعتنق البقية المسيحية ومذاهب أخرى. وفي أمريكا وحدها، تخلى نحو مليون إنسان عن الإسلام، وهو ما يؤكد أن ان العقل البشري وفي مقدمتهم المعتنقين للاسلام لم يعد يتقبل ديناً بخوض الحروب بسبب اختلاف الرأي، ويقف متفرجا على الاعداء وهم يقتلون المسلمين في غزة ولبنان.

إن العبرة الحقيقية تكمن في أن لا أحد يقبل الانتماء لكيان أو مذهب لا يحقق له الأمن والازدهار، والناس في ختام الأمر، حتى أولئك الذين يقاتلون، إنما يفعلون ذلك بحثاً عن "البقاء" والحياة في عالم يتغير بسرعة البرق، ولا يرحم من يغرق في دماء الماضي، ويدمر الحاضر والمستقبل.

جميعنا بخطر حقيقي، فالذي سيموت يموت، ومن بقي من الاحياء سيكونون في عداد الاموات وجوديا وانسانيا.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment