د. مهى محمّد مراد
تمرّ الساحة اللبنانيّة اليوم بمرحلة بالغة الحساسية والخطورة، ليس فقط بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية التي أثقلت كاهل المواطنين، بل أيضًا بسبب المناخ السياسيّ الذي يزداد احتقانًا يومًا بعد يوم، فاللبنانيّ اليوم لا يبحث فقط عن حلول للأزمات، بل يبحث أيضًا عن بصيص ثقة يُعيد إليه الإيمان بأنّ الدولة ما زالت قادرة على حماية مستقبله ومستقبل أبنائه، فالمتابع للشأن العام يلحظ تصاعدًا في حدّة الخطاب السياسيّ، واتساعًا لمساحات الاتهامات المتبادلة، وتناميًا لخطابات الانقسام التي تعّمق الفجوات بين اللبنانيين بدلًا من أن تساهمَ في معالجتها، وبالتالي، فإنّ الأخطر من ذلك، هو عودة الشحن الطائفيّ والمذهبيّ إلى الواجهة في لحظة يحتاج فيها الوطن إلى أكبر قدر من التماسك والتضامن الوطني، وفي ظلّ هذا الواقع يطرح كثيرٌ من اللبنانيين سؤالًا مشروعًا:
إلى أيّ اتجاه تسير البلاد؟ وما هي السياسة الوطنية التي يمكن أن تشكّل نقطة التقاء بين مختلف المكونّات اللبنانية في مواجهة التحدّيات المتزايدة؟
فخطورة المرحلة لا تكمن فقط في الأزمات القائمة، بل في تراكم مشاعر القلق والتشاؤم وفقدان الثقة بالمستقبل، فكلّما ازدادت الانقسامات، وارتفعت نبرة التخوين والتصعيد، ازداد شعور المواطن بأنّ الحلول تبتعد بدلًا من أن تقترب، ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة المرجعية الوطنيّة الجامعة التي تشكّل أساس الاستقرار وحماية الدولة ومؤسساتها، فالدول لا تستطيع مواجهة التحدّيات الكبرى إذا فقدت القدرة على الاتفاق حول الثوابت الوطنية التي تجمع أبناءها، وفي مقدمة هذه الثوابت يأتي الدستور باعتباره المرجعية العليا الناظمة للحياة السياسية والمؤسساتية، والضامن لوحدة الدولة وتوازن سلطاتها وحماية حقوق مواطنيها،
كما يأتي الالتزام بقانون الدفاع الوطني باعتباره إطارًا قانونيًا يحفظ السيادة والأمن والاستقرار ويؤكد دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي الوقت نفسه، يبقى السلام بمفهومه المحليّ والإقليميّ والدوليّ حاجة وطنية ملحّة، فلبنانُ الذي دفع عبر تاريخه أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات والأزمات يحتاج اليوم إلى بيئة مستقرة تسمح بإعادة بناء الثقة، وإنعاش الاقتصاد، وفتح آفاق الأمل أمام الأجيال القادمة.
إنّ المطلوب في هذه المرحلة ليس إنتاج اصطفافات جديدة أو تعميق الانقسامات القائمة، بل إطلاق حركة إنقاذ وطنية تجمع المؤمنين بالدولة والدستور والسيادة والسلام والاستقرار، حركة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وتعيد الاعتبار لفكرة الوطن باعتباره مساحة مشتركة لجميع اللبنانيين.
وبالتالي، إنّ الأوطان لا تُبنى بالانقسامات، ولا تُحمى بالتوترات، ولا تنهض في ظلّ التشاؤم المستمر، بل تنهض عندما يلتف أبناؤها حول الثوابت الوطنية الجامعة، ويتمسكون بالدولة ومؤسساتها باعتبارها الضمانة الوحيدة للاستقرار والمستقبل.
ومن هنا، فإنّ استعادة المرجعية الوطنية الجامعة لم تعد خِيارًا سياسيًا من بين خِيارات متعدّدة، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية لبنانَ ومواجهة التحديات التي تعترض طريقه نحو الأمن والاستقرار والازدهار.











06/09/2026 - 05:25 AM





Comments