بقلم: د. محمد نصار
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية، كان أبرزها الصراع الممتد بين إيران وإسرائيل، والذي تجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية ليصبح صراعًا على النفوذ والهيمنة وإعادة رسم خرائط القوة في المنطقة. وبينما تسعى إيران إلى ترسيخ مشروعها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها، تعمل إسرائيل على منع أي قوة منافسة من تهديد تفوقها الاستراتيجي أو تقويض مصالحها الأمنية، الأمر الذي جعل العديد من الدول العربية ساحات مفتوحة لهذا الصراع، وفي مقدمتها لبنان.
لقد تحول لبنان خلال العقود الماضية إلى ساحة رئيسية للتجاذب الإيراني الإسرائيلي، بحكم موقعه الجغرافي الحساس ووجود حزب الله باعتباره أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة. ومع تصاعد المواجهة بين الطرفين، وجد لبنان نفسه يدفع أثمانًا باهظة تفوق قدرته على التحمل، حتى بات نموذجًا لدولة أُنهكتها الصراعات الخارجية والانقسامات الداخلية.
اقتصاديًا، تعرض لبنان لضربات متتالية نتيجة الحروب والتوترات الأمنية المستمرة. فقد تراجعت الاستثمارات الأجنبية، وانخفضت معدلات النمو، وتفاقمت أزمة الدين العام، وتدهورت قيمة العملة الوطنية بصورة غير مسبوقة. كما ساهمت العقوبات والضغوط الدولية المرتبطة بالصراع الإقليمي في تعميق الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وهجرة الكفاءات والعقول الشابة.
أما على المستوى الجغرافي، فقد أصبح الجنوب اللبناني منطقة مواجهة دائمة، تتعرض بنيته التحتية ومرافقه الحيوية لخسائر متكررة مع كل جولة تصعيد. وأدى ذلك إلى تعطيل خطط التنمية وإضعاف فرص الاستثمار والاستقرار السكاني، فضلًا عن نزوح آلاف المواطنين من مناطقهم بحثًا عن الأمن والاستقرار.
سياسيًا، انعكس الصراع الإيراني الإسرائيلي بصورة مباشرة على المشهد اللبناني، حيث أصبح تشكيل الحكومات وانتخاب الرؤساء وإدارة الملفات السيادية مرتبطًا إلى حد كبير بتوازنات إقليمية تتجاوز الإرادة الوطنية. وأدى ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، ما ساهم في تعميق الانقسام السياسي والطائفي داخل المجتمع اللبناني.
ويرى كثير من المحللين أن لبنان تحول من دولة تمتلك مقومات اقتصادية وثقافية وسياحية واعدة إلى ساحة صراع مفتوحة بين مشاريع إقليمية متنافسة. فإيران تنظر إلى لبنان باعتباره جزءًا مهمًا من منظومة الردع الإقليمية الخاصة بها، بينما ترى إسرائيل أن أي تنامٍ للنفوذ الإيراني على حدودها الشمالية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل الأراضي اللبنانية مسرحًا دائمًا لتصفية الحسابات الاستراتيجية.
غير أن تحميل طرف واحد مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في لبنان قد لا يعكس الصورة كاملة؛ فالأزمة اللبنانية نتاج تداخل عوامل داخلية وخارجية معقدة، تشمل الانقسامات السياسية والطائفية، وضعف مؤسسات الدولة، والفساد الإداري، فضلًا عن التدخلات الإقليمية والدولية المتعددة. إلا أن المؤكد أن استمرار الصراع الإيراني الإسرائيلي يضاعف من معاناة لبنان ويؤخر فرص تعافيه واستعادة استقراره.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبقى مستقبل لبنان مرهونًا بقدرته على تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ مفهوم السيادة الوطنية، وتحييد أراضيه عن صراعات المحاور الإقليمية، بما يتيح له استعادة دوره الحضاري والاقتصادي والثقافي الذي طالما تميز به في العالم العربي.
إن لبنان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يظل رهينة لصراعات الآخرين، وإما أن ينجح في بناء مشروع وطني جامع يعيد للدولة هيبتها ويمنح شعبه فرصة حقيقية للخروج من دوامة الأزمات.











06/09/2026 - 05:02 AM





Comments