سيلفانا سمعان *
في النزاعات المعاصرة، لم يعد وقف إطلاق النار علامة على نهاية الحرب. في كثير من الحالات، يبدو أقرب إلى طبقة إضافية داخل الصراع نفسه، تُستخدم لإعادة تنظيم العنف بدل إيقافه. وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز فكرة الخرق أو الالتزام: هل ما زال وقف إطلاق النار يؤدي وظيفته الأصلية، أم أنه أصبح جزءًا من طريقة إدارة الحروب بدل إنهائها؟
في القانون الدولي الإنساني وفي مقاربات الأمم المتحدة، وُلد مفهوم وقف إطلاق النار كأداة لتعليق القتال وفتح مسار نحو تهدئة أو تسوية. كان يفترض وجود مسار سياسي واضح وسلطة قادرة على فرض الالتزام وتحديد معنى الانتهاك. لكن هذا الافتراض لم يعد صالحًا كما كان. بنية النظام الدولي نفسها تغيّرت، وتفكك احتكار الدولة للعنف، ودخلت أطراف غير نظامية، وتداخلت المستويات المحلية والإقليمية والدولية داخل ساحات صراع واحدة.
لم يعد هناك خط واضح يفصل بين الحرب والسلم، ولا لحظة يمكن تسميتها نهاية الحرب بشكل حاسم. بدل ذلك، تتشكل مناطق رمادية تتداخل فيها العمليات العسكرية مع التفاوض السياسي وإعادة توزيع النفوذ. هنا لا يعود وقف إطلاق النار مجرد تعليق للعنف، بل يتحول إلى وسيلة لتنظيمه: تحديد الإيقاع، التحكم بدرجات التصعيد، وإعادة رسم حدود الاشتباك.
المفارقة أن الأداة التي صُممت لتقييد العنف أصبحت تعمل أحيانًا كطريقة لإدارته. وهذا لا يعني أن القانون الدولي الإنساني فقد معناه، لكنه يكشف فجوة متزايدة بين وظيفته الأصلية وبين الطريقة التي يُستخدم بها في الواقع. حتى مفهوم الخرق نفسه لم يعد بسيطًا. لم يعد هناك خط واضح يفصل بين ما هو انتهاك وما هو جزء من اللعبة. بعض الخروقات يُستخدم لإعادة تثبيت الردع ومنع الانفجار الكبير، وبعضها الآخر يفتح الطريق نحو التصعيد. الفاصل بين الاثنين لم يعد قانونيًا فقط، بل مرتبطًا بوظيفة الفعل داخل التوازن القائم. وهذا يرتبط مباشرة بغياب سلطة مركزية قادرة على فرض تعريف واحد للالتزام. في بيئات متعددة القوى، كل طرف يملك روايته الخاصة لما هو مسموح وما هو تجاوز. لذلك يصبح وقف إطلاق النار بنية قابلة للتأويل المستمر، وليس عقدًا صلبًا بمعنى تقليدي.
لكن هذا الشكل من العمل لا يظهر دائمًا. لكي يعمل، يحتاج إلى شروط دقيقة: قدرة الأطراف على قراءة إشارات بعضها البعض، ووجود قواعد غير مكتوبة لضبط التصعيد، وتوازن ردع يسمح بالتحكم بالتصعيد دون انهياره. عندما تغيب هذه الشروط، يتحول وقف إطلاق النار إلى هدنة هشة قابلة للكسر السريع.
ولهذا السبب، لا يمكن التعامل مع كل الخروقات بالطريقة نفسها. بعضها يؤدي وظيفة داخل النظام نفسه، يعيد ضبط التوازن ويمنع الانفجار. وبعضها يفكك هذا التوازن ويدفعه نحو الانهيار. الفارق ليس في الفعل نفسه، بل في أثره داخل بنية الردع. مع مرور الوقت، يتحول المنطق العام من فكرة الحرب مقابل السلام إلى منطق إدارة الردع. العنف لا يتوقف، لكنه يُعاد ضبطه باستمرار. كل ضربة محدودة أو رد محسوب لا يُقرأ كخروج عن الاتفاق، بل كجزء من إعادة معايرة مستمرة لمستويات القوة. وهذا يقود إلى شكل أوسع من التحول: نظام لا ينتج حسمًا نهائيًا، بل يحافظ على توازن غير مكتمل. ليس استقرارًا بالمعنى التقليدي، بل حالة تُدار فيها المخاطر بدل إنهائها.
ومع ذلك، هذا النموذج ليس عالميًا. بعض التجارب التاريخية حوّلت وقف إطلاق النار إلى مدخل لتسويات مستقرة، كما في البلقان وأيرلندا الشمالية. وهذا يعني أن ما يحدث ليس قاعدة، بل نتيجة شروط سياسية ومؤسساتية محددة.
في الحالة اللبنانية، تتكثف هذه الديناميكية بشكل واضح. حيث تتقاطع حسابات حزب الله مع البعد الإقليمي المرتبط بإيران، ومع إدارة التصعيد من جانب الولايات المتحدة، ومع المواجهة غير المباشرة مع إسرائيل. في هذا التشابك، لا تعمل خطوط التماس كحدود ثابتة، بل كمساحات إعادة تعريف مستمرة.
الضربات المحدودة هنا لا تخرج من منطق وقف إطلاق النار، بل تعمل داخله. هي ليست فقط خروقات، بل أدوات لإعادة ضبط معادلة الردع نفسها. ما يبدو انتهاكًا في منطق قانوني، قد يكون وظيفة في منطق التوازن. مع هذا التداخل، تتراجع الحدود بين المدني والعسكري، وبين القانوني والعملياتي. البنية نفسها تصبح ممتزجة، ما يجعل أي تهدئة قابلة للاختراق ليس فقط عسكريًا، بل بنيويًا.
في النهاية، لا يعود وقف إطلاق النار خطًا يفصل بين زمنين، ولا أداة لقياس الالتزام أو الخرق. بل يصبح لحظة يظهر فيها التوتر الحقيقي بين ما يفترضه القانون الدولي الإنساني وما تسمح به بنية الصراع فعليًا. القانون هنا لا ينهار ولا يغيب. بل يبقى حاضرًا كنص مكتمل، واضح، ومتماسك. لكنه يتحول إلى إطار يعرّف ما يجب أن يكون عليه السلوك، بينما الواقع يعيد تشكيل وظيفة هذا الإطار نفسه داخل الصراع. بمعنى آخر، القانون الدولي الإنساني لا يفقد لغته، لكنه يفقد احتكاره للمعنى.
في هذه المسافة الدقيقة بين النص والتطبيق، بين القاعدة والواقع، لا يظهر وقف إطلاق النار كاختبار للالتزام فقط، بل كاختبار لقدرة القانون نفسه على البقاء كمرجعية في نظام لا ينتج نهايات حاسمة، بل يعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة من الاستمرار.
* محللة سياسية واستراتيجية وباحثة في العلاقات الدولية












06/08/2026 - 13:25 PM





Comments