عادل صوما
يمكن القول إن بعض خطابات عبد الناصر قبل حرب 1967 احتوت على لغة مبتذلة تصعيدية، فُسِّرت على أنها تهديد وجودي لإسرائيل ولمصالح الغرب في الشرق الأوسط. وهي كانت كذلك عند عبد الناصر نفسه، ولا تبرير آخر لما قاله سوى أنه إما كان مصاباً بمرض الانفصال عن الواقع، أو وهم ديني بالانتصار على إسرائيل وتهديد الغرب.
لغة مبتذلة سفّه بها عبد الناصر الغرب بشكل عام طوال الستينات خصوصاً أميركا، وهناك مصادر عديدة تنسب إلى جمال عبد الناصر عبارات غير لائقة ديبلوماسياً وتنم عن اعتقاد صاحبها بأنه صاحب سلطة مطلقة، وأنه اللاعب الأعظم في الشرق الأوسط الذي يُعمل له ألف حساب، ووردت خطاباته تلك في سياق رفضه الشروط الأميركية المرتبطة بمساعداتها الاقتصادية، رغم أن طالب المساعدة يخضع دائماً لشروط المانحين، علاوة على عدم مبالاته بمساعدات أميركا لإسرائيل ودعمها سياسياً وعسكرياً.
من أشهر الصيغ المنقولة حرفياً عن خطاباته "المعونة الأميركية على الجزمة"، "إللي مش عاجبه سياستنا يشرب من البحر. ولو البحر الأبيض ما كفّاهش يشرب من البحر الأحمر". كما وردت العبارة نفسها بصيغة أخرى: "إللي مش عاجبه كلامنا يشرب من البحر، وإذا كان البحر الأبيض لا يكفيه قدامه البحر الأحمر كمان".
فصحى وعامية
لسبب غير مفهوم، وعلى الأرجح بتوجيه من عبد الناصر نفسه، هلل الإعلام المصري والعربي من ورائه لهزيمة إسرائيل الساحقة في أول أيام حرب سنة 1967، لكن في التاسع من يونيو/حزيران اعترف عبد الناصر بنفسه بالهزيمة، ولأن عبد الناصر لم يكن نفسانياً مؤهلا لصياغة خطاب حفظ ماء وجهه بسبب الكارثة التي تسبب شخصياً بها، يُنسب إطلاق مصطلح "النكسة" على هزيمة يونيو 1967 إلى الصحافي محمد حسنين هيكل، كاتب كل خطاباته التي كان يقولها عبد الناصر بالعامية ويرتجل حول نصها ومعانيه، وتنشر الصحف نص حسنين هيكل بالفصحى!
بعد حرب 1967 مباشرة، استخدم هيكل هذا الوصف في كتاباته ومقالاته في صحيفة الأهرام، مميزاً بين "الهزيمة" و"النكسة"، فكلمة "نكسة" تحمل دلالة سياسية ونفسانية؛ فهي توحي بانتكاسة مؤقتة يمكن تجاوزها، بخلاف كلمة "هزيمة" التي تعبر عن خسارة عسكرية وسياسية مباشرة.
إعترف عبد الناصر بالنكسة أو الهزيمة بشكل واضح، وهو حسب ما أعرف الرئيس المسلم الأوحد الذي اعترف بهزيمة، لأن الهزائم في التاريخ الإسلامي إما ابتلاء من الله، أو "لأن المسلمين لم يعد إيمانهم قوياً". أو "إنتصارات إلهية" لأن السلطان ظل على دكة الحكم ولم يسقط.
عصا السنوار
آخر هذه الانتصارات الإلهية حدثت في مضيق هرمز، بعد هزيمة إسرائيل وأميركا حسب ما يزعم النظام الإيراني، ويريد أن يتفاوض ويفرض شروطه كندٍ، مع أن الضربات الأميركية/الإسرائيلية أعادت إيران عشرات السنوات للخلف، ودمرت اقتصادها وهيبتها.
ورغم اعتراف حسن نصر الله "لقد تلقينا ضربة موجعة" عقب انفجارات البيجر في العشرات من عناصره، إلا أنه اعتبر أن سيناريو اغتيال قادة المقاومة وسحق "حماس" وضرب إيران مجرد خيال من "كاتب سيناريو" يستحيل أن يتحق فالنصر قريب وإسرائيل أوهى من بيت العنكبوت.
الانتصارات الإلهية التي نراها من خيال مصابين بالانفصال عن الواقع، أو بهوس ديني متوارث في الهندسة الجينية، لدرجة أن مشهد السنوار المُذل وهو يحتضر أصبح مثلا للصمود، ويُقال ضربه بعصا السنوار.
عبد عبد القصيمي قال عبارته الشهيرة "العرب ظاهرة صوتية"، وأخشى بسبب الإنتصارات الإلهية التي نعيشها أن يصبح "المسلمون ظاهرة صوتية"، رغم ضجيجهم في برلمانات وأحزاب دول العالم.












06/08/2026 - 13:21 PM





Comments