الحرية بين الوهم والقدرة والواقع

06/08/2026 - 04:06 AM

A

 

 

 رشيد ج. مينا

كثيرة هي الشعارات التي تُرفع باسم الحرية، وكثيرة هي الكتابات والخطب التي تتناولها باعتبارها الغاية التي تسعى إليها الشعوب والأفراد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

هل الحرية مجرد شعار سياسي أو حق قانوني يُكتب في الدساتير، أم أنها منظومة متكاملة من الشروط والمقومات التي تجعلها واقعًا قابلًا للحياة والاستمرار؟

في الحقيقة، إن الحديث عن الحرية الفردية أو المجتمعية أو الوطنية بمعزل عن مقوماتها الفعلية يبقى أقرب إلى الأوهام منه إلى الواقع، ويتحول في كثير من الأحيان إلى تسويق مشوه للحرية، حيث تُرفع الشعارات فيما تغيب الأسس التي تمنحها معناها الحقيقي.

فالحرية ليست مجرد حق في التعبير أو الاختيار، بل هي قدرة فعلية على ممارسة هذا الحق. وهذه القدرة لا تتأتى من الإرادة وحدها، بل من مجموعة عناصر متكاملة تجعل الإنسان أو المجتمع أو الدولة قادرين على اتخاذ القرار وصونه والدفاع عنه.

وعلى المستوى الفردي، لا يمكن الحديث عن حرية حقيقية في ظل الجهل أو الفقر أو غياب العدالة. فالإنسان الذي يفتقد المعرفة يصبح أسيرًا للأفكار التي تُفرض عليه، والذي يفتقد مورد العيش الكريم يصبح أكثر عرضة للارتهان والابتزاز، والذي لا تحمي حقوقه قوانين عادلة تبقى حريته معرضة للانتقاص في أي لحظة.

ولا يقتصر أثر الاستقلال الاقتصادي على تحسين مستوى المعيشة، بل يمتد إلى جوهر الحرية نفسها. فالإنسان الذي يعجز عن تأمين لقمة عيشه واحتياجات أسرته الأساسية لا يكون حرًا بالكامل في خياراته ومواقفه، لأن الحاجة تفرض عليه قيودًا قد لا تقل أثرًا عن القيود السياسية أو القانونية.

ومن هنا فإن ضمان الحق في العمل، وتوفير الفرص العادلة، وتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، ليست مجرد مسائل اقتصادية أو اجتماعية، بل هي من صميم شروط الحرية. فالجائع يسهل استغلاله، والمحتاج يسهل ابتزازه، والفقير الذي يعيش تحت ضغط الحاجة اليومية يصبح أقل قدرة على التعبير الحر عن رأيه أو الدفاع عن قناعاته أو اتخاذ قراراته باستقلالية.

وتظهر خطورة ذلك بصورة خاصة في الاستحقاقات العامة والانتخابات، حيث تتحول الحاجة أحيانًا إلى أداة تأثير على إرادة الناخبين، فيصبح الصوت الانتخابي خاضعًا لضغط المصلحة الآنية أو الحاجة المباشرة بدل أن يكون تعبيرًا حرًا عن قناعة سياسية أو رؤية للمصلحة العامة.

لذلك فإن الحرية الفردية لا تكتمل إلا بوجود وعي يحرر العقل من التبعية، وقانون يضمن الحقوق والمساواة وتكافؤ الفرص، واقتصاد يؤمن للإنسان الحد الأدنى من الاستقلال الذي يمكنه من اتخاذ قراراته بحرية وكرامة.

غير أن الحرية لا تعني الانفلات من كل قيد. فالفرد لا يعيش في فراغ، بل في مجتمع تحكمه منظومة من القيم والأخلاق والقوانين والواجبات. ولذلك فإن الحرية المطلقة ليست ممكنة ولا مطلوبة، لأن ممارستها بهذا المعنى تؤدي إلى الاعتداء على حقوق الآخرين وتقويض أسس الحياة المشتركة. وفي مجتمعاتنا، ولا سيما تلك المتعددة الانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية، تتداخل القوانين الوضعية مع المنظومات الدينية والأخلاقية التي تنظم كثيرًا من شؤون الأفراد وأحوالهم الشخصية. ومن هنا فإن الحرية الحقيقية لا تقوم على إلغاء هذه المنظومات، بل على إيجاد التوازن الذي يحفظ حقوق الأفراد ويصون في الوقت نفسه خصوصيات المجتمع واستقراره.

أما على مستوى الأوطان، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا وأوسع أثرًا. فحرية الوطن لا تُقاس بامتلاكه علمًا ونشيدًا ومؤسسات شكلية، بل بقدرته الفعلية على اتخاذ قراره الوطني وفق مصالح شعبه لا وفق مصالح الآخرين.

ولا يمكن لأي وطن أن يمتلك قراره بحرية كاملة إذا كانت قواه السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية مرتبطة بقوى خارجية تقدم مصالحها أو حساباتها على المصلحة الوطنية. فالارتهان للخارج، مهما كانت مبرراته، يقيد الإرادة الوطنية ويجعل القرار عرضة للتأثير والضغط والابتزاز.

كما أن الاستقلال السياسي يبقى ناقصًا إذا لم يستند إلى استقلال اقتصادي نسبي. فالدولة التي تعجز عن تأمين حاجاتها الأساسية أو تعتمد بصورة شبه كاملة على الخارج في غذائها أو طاقتها أو مواردها المالية، تبقى قدرتها على اتخاذ القرار المستقل محدودة مهما رفعت من شعارات السيادة.

ومن هنا فإن الحرية الوطنية تحتاج إلى وحدة وطنية حقيقية تتقدم فيها المواطنة على الانقسامات الضيقة، وإلى نظام سياسي يقطع مع التبعية ويجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، كما تحتاج إلى اقتصاد منتج وقادر يقوم على الاستثمار العلمي للموارد والإمكانات المتاحة، وعلى رؤية تنموية واضحة تحدد الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والترانزيت والسياحة والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا وفق أحدث المعايير وأكثرها تقدمًا.

لكن الاقتصاد وحده لا يكفي. فالثروة التي لا تجد من يحميها تصبح عرضة للنهب، والاستقلال الذي لا تحرسه قوة قادرة على الدفاع عنه يبقى هشًا ومعرضًا للاعتداء. لذلك تبقى القوة الشرعية ضرورة من ضرورات الحماية الوطنية وصون السيادة وحفظ الاستقرار.

على أن القوة لا تستمد مشروعيتها من ذاتها، بل من خضوعها للقانون وخدمتها للمصلحة العامة. فالقوة التي تحمي الحرية ضرورية، أما القوة التي تتحول إلى أداة تسلط أو هيمنة فإنها تنقلب إلى نقيض الحرية نفسها. ومن هنا تتكامل عناصر الحرية في صورتها الشاملة:

وعي يحرر العقل، وقانون عادل يضمن الحقوق والمساواة، واقتصاد يؤمن الاستقلال، وقوة تحمي الوطن، ومنظومة أخلاقية تحفظ التوازن الاجتماعي، ووحدة وطنية تجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

إن الحرية ليست كلمة تُقال، ولا شعارًا يُرفع، ولا مادة دستورية تُكتب. إنها بناء متكامل يحتاج إلى أسس راسخة وإرادة واعية وعمل متواصل. وكل حديث عن الحرية خارج هذه المقومات يبقى ناقصًا، لأن الحرية ليست أمنية نتغنى بها، بل مشروع بناء إنساني ووطني متكامل.

فكما أن الفرد لا يكون حرًا ما لم يمتلك وعيه وكرامته وقدرته على الاختيار، كذلك الوطن لا يكون سيدًا ما لم يمتلك قراره واقتصاده وقوته ووحدته الوطنية. وحين تتكامل هذه العناصر، تتحول الحرية من شعار يُتداول في الخطابات إلى واقع يعيشه الإنسان، وتحميه الدولة، ويصونه المجتمع.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment