من العليقة المشتعلة... إلى القلب المشتعل

06/07/2026 - 23:34 PM

Bt adv

 

 

الخوري فادي منصور

عندما اقترب موسى من جبل حوريب، رأى مشهداً غريباً: عليقة تشتعل بالنار ولكنها لا تحترق (خروج 3: 2).

كانت ناراً مختلفة عن كل نار عرفها الإنسان. نار الله لا تأتي لتدمّر، بل لتُعلن حضوره. لا تأتي لتفني، بل لتقدّس وتحوّل. هذه الحادثة ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي صورة لما يريد الله أن يصنعه في قلب كل إنسان. فالعليقة المشتعلة لم تكن سوى بداية قصة طويلة من اللقاء بين الله والإنسان. واليوم، يريد الرب أن يجعل من قلب كل واحد منا "عليقة جديدة" تشتعل بحضوره.

كم من مرة نبحث عن الله في الأحداث العظيمة والعجائب المدهشة، بينما هو يريد أن يلتقي بنا في قلبنا! فكما اختار عليقة بسيطة في البرية ليظهر مجده، هكذا يختار ضعفنا وبساطتنا ليُظهر عمل نعمته. الله لا ينتظر منا أن نكون كاملين، بل أن نفتح له باب القلب. النار التي رآها موسى كانت علامة حضور الله. أما النار التي يريد الرب أن يشعلها فينا فهي نار الروح القدس، نار المحبة والإيمان والرجاء.

هذه النار تجعل الإنسان مختلفاً. قد تبقى الظروف نفسها، وقد تبقى الصعوبات والصليب، لكن القلب يصبح ممتلئاً بحضور الله فلا يعود اليأس قادراً على إطفائه. العجيب أن العليقة كانت مشتعلة لكنها لم تحترق. وهكذا الإنسان الذي يعيش مع الله. قد يمر بالتجارب، وقد يتعب، وقد يحمل أثقال الحياة، لكنه لا ينهار لأن نار الله تحفظه من الداخل. كثيرون يظنون أن القرب من الله يبعد الصليب، لكن الحقيقة أن حضور الله يعطي القوة لحمل الصليب ويحوّل الألم إلى طريق خلاص وبركة.

في يوم العنصرة نزلت ألسنة من نار على التلاميذ، فتحوّل الخائفون إلى شهود، والمنغلقون إلى مبشرين. النار نفسها التي اشتعلت في العليقة هي نفسها التي اشتعلت في قلوب الرسل، وهي نفسها التي يريد الروح القدس أن يشعلها في قلوبنا اليوم. السؤال ليس: هل الله يريد أن يشعل ناره فينا؟ بل: هل نحن مستعدون أن نقترب كما اقترب موسى؟ فالبداية كانت عندما قال موسى: "أميل لأنظر هذا المنظر العظيم". كل لقاء مع الله يبدأ برغبة صادقة، بلحظة توقف، بقلب يبحث عنه وسط ضجيج الحياة. لذلك صلاتنا اليوم: يا رب، كما اشتعلت العليقة بحضورك، أشعل قلبي بنار محبتك.

لا أريد ناراً تحرقني، بل ناراً تنقّيني. لا أريد ناراً تدمّرني، بل ناراً تحوّلني إلى صورتك. اجعل قلبي مسكناً لك، وعرشاً لنارك المقدسة، حتى أعيش في هذا العالم مشتعلاً بمحبتك، ولا ينطفئ فيّ نورك مهما اشتدت الرياح. من العليقة المشتعلة... إلى القلب المشتعل، ما زال الله يبحث عن قلوب يقول لها: "اخلع نعليك، لأن الأرض التي أنت واقف عليها مقدسة".

فحين يسكن الله في القلب، يصبح القلب نفسه أرضاً مقدسة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment