شبل الزغبي
ثمة مَثَلٌ يصف حال من يُجادل الأغبياء: كمن تقف على خدّه بعوضة، فيرفع يده ليضربها، فتطير قبل أن تُصاب، وتنتهي الضربة عليه هو. قد تقتلها أو لا تقتلها، لكن في كلتا الحالتين ستكون أنت مَن صفع نفسه.
هذا بالضبط ما يجري حين يخوض المرء نقاشاً مع أبواق الممانعة.
البوق لا يفكّر، هو يُصدر ضجيجاً. ولا يمكنك أن تجادل آلةً تشتغل بالولاء المستغبى لا بالعقل.
هؤلاء ليسوا مخطئين فحسب، هم لا يبحثون عن الحقيقة أصلاً. البوقُ لا تُحرّكه الحجة، بل يُحرّكه المُموِّل. لا يتزعزع حين تعارضه بالوقائع، بل يُضاعف صراخه. وما إن تنزل إلى مستوى النقاش معه، حتى تكون قد أهديته ما لا يستحق: الاعتراف بأنه نِدٌّ يُجادَل.
والأخطر من ذلك أنك حين تجادل أبواق الممانعة، فأنت لا تجادل أشخاصاً. أنت تجادل مؤسسة إيرانية بكاملها، لها وقت لا محدود، وأموال لا تنضب، وخطاب معلَّب جاهز للتوزيع. وأنت في المقابل تستنزف طاقتك، تشرح للصخر كيف يشرب الماء.
حين تنزل إلى مستواهم، تكون قد أهديتهم ما لا يستحقون، فهم أصلاً رؤوس مبرمجة مثل الآلات بنطقٍ ببغائي.
ثم انظر ماذا فعلت أبواق الممانعة بلبنان: حوّلت مؤسسات الدولة إلى واجهات فارغة، وقدّمت التبعية لطهران باعتبارها مقاومةً مقدسة، وزرعت في كلّ مفصل من مفاصل الدولة عيوناً وأذرعاً تُوالي الولي الفقيه قبل أن تُوالي الوطن. كل ذلك وهي تصرخ بأعلى صوتها عن السيادة والكرامة والممانعة.
الكذب الجريء لا يحتاج إلى ردّ، يحتاج إلى فضح. والفرق شاسع.
إذاً ما الذي يجب فعله؟ لا تجادل البوق في ميدانه. أفضح المموِّل، أظهر السجلّ، أكشف من يقف خلف الصوت ومن يدفع فاتورة الضجيج. الحقيقة لا تُقنع البوق، لكنها تُقنع من يسمعه.
دعهم يصرخون…
فالصراخ العالي وبذائة تعابيرهم ليس دليلاً على الحق، بل على الفراغ.
أما نحن، فلن نكون مرآةً لزيفهم، ولا صدىً لضجيجهم. نحن أبناء وطنٍ يُذبح كل يوم ويدمر، ولن نسمح أن تُدفن الحقيقة تحت أكوام الأكاذيب المأجورة.
البعوضة لا تستحق صفعة. لكن لبنان يستحق أن نُبقي أيدينا حرةً لبنائه، لا لصفع أنفسنا على وقع أبواق مأجورة.













06/07/2026 - 06:05 AM





Comments