لا# لا مطرًا يا لبنان… بل غيثًا

06/07/2026 - 06:01 AM

A

 

 

علي جزائري *

في لبنان، لم يعد الناس ينتظرون مطرًا.

المطر اعتادوا عليه؛ مواسم تمر، وخطب تُقال، ووعود تهطل بكثرة ثم تجف أسرع مما نزلت.

أما الغيث، فهو ما لم يصل بعد.

لبنان المتعب لا يحتاج إلى ضجيج سياسي جديد، ولا إلى نشرات أخبار تتبدل فيها الوجوه وتبقى الوجوه ذاتها خلف الستار.

لا يحتاج إلى مزيد من الكلام عن الإنقاذ، بينما الناس تغرق كل يوم في العتمة والغلاء والخذلان.

ما يحتاجه هذا البلد هو غيث حقيقي؛ شيء يعيد للحياة معناها بعدما صار المواطن يشعر أنه يعيش فقط ليصمد يومًا إضافيًا.

في القرى كما في المدن، صار التعب لغة مشتركة.

موظف ينتظر راتبًا فقد قيمته، أب يخفي قلقه خلف صمت طويل، شاب يرى الهجرة أقرب من أحلامه، وأم تحاول أن تجعل من القليل حياة كاملة.

كلهم لا يريدون مطرًا من الوعود، بل غيثًا يعيد إليهم الإحساس بأن الوطن ما زال وطنًا.

حتى الشوارع تغيّرت ملامحها.

بيروت التي كانت تشبه نافذة مفتوحة على البحر، باتت تتنفس بصعوبة.

وطرابلس، وصيدا، والبقاع، والجنوب… أماكن تحمل ذاكرة ناسها أكثر مما تحمل اهتمام دولتهم.

كأن البلاد كلها واقفة تحت سماء ثقيلة، تنتظر شيئًا لا يأتي.

وفي لبنان تحديدًا، يصبح الفرق بين المطر والغيث مؤلمًا جدًا.

فالمطر قد يكون مؤتمرًا جديدًا، أو تصريحًا لامعًا، أو مساعدات مؤقتة تُبقي الجرح حيًا من دون أن تشفيه.

أما الغيث، فهو عدالة يشعر بها الفقير قبل الغني، وكهرباء لا تُعامل كمعجزة، ودولة لا يحتاج مواطنها إلى واسطة ليحصل على حقه، وأمل لا يُجبر الشباب على حمل حقائب السفر كي يبقى حيًا.

هذا البلد لم يمت، رغم كل ما حدث.

لا تزال فيه قلوب تحاول، وأناس يقاومون الانهيار بما بقي لديهم من كرامة.

لكن لبنان، أكثر من أي وقت مضى، لا يحتاج مطرًا عابرًا…

بل غيثًا يوقظ فيه الحياة من جديد.

 

* كاتب لبناني

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment