هل تقطع طهران والضاحية "حبل السُّرة" بين لبنان والعالم؟

06/05/2026 - 17:13 PM

https://metrolinktrains.com

 

 

مخاوف من فقدان "الشيعية السياسية" أيا من أبواب التعاون مستقبلا مع طهران خارج الآليات العسكرية والامنية، ولا سيما في المجالات الانمائية والروحية والإجتماعية. وعليه لماذا يتنكر البعض لـما توفره "الشرعية الحامية" من ضمانات لبعض القادة والمسؤولين الحزبيين.

الجمهورية  - جورج شاهين

سقطت مجموعة من السيناريوهات الإيجابية التي كانت تحاكي "طاولة واشنطن 4" بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. وهو أمر بديهي في ظل تريث الرئيس نبيه بري، بعد "المكونات الشيعية"، في "نسف الاتفاق" في شكله ومضمونه، بعدما تبرأ من المسار كاملاً. فأضاف إلى مواقفهم تعقيدات أكثر مما كان متوقعاً. ولذلك، ارتفعت المخاوف من عدم تطبيق اتفاق لم يجف حبره بعد، وإمكان أن يقطع الثنائي "حبل السرّة" بين لبنان والعالم. وهذه عينة منها.

بمعزل عن الصدمة السلبية التي تسببت بها المواقف الشيعية الجامعة، رفضاً لاتفاق وقف النار بالصيغة التي حملها البيان الثلاثي الذي تبنّته أطراف "طاولة واشنطن 4"، أجمعت مصادر ديبلوماسية وسياسية على الإعتراف بأنّ ما تحقق في الجولتين الأمنية والسياسية من مفاوضات البنتاغون ووزارة الخارجية، كان أفضل ما يمكن تحقيقه. ذلك انّ موازين القوى مختلة إلى درجة كبيرة، ولا مجال للحديث مرّة أخرى عن أي قدرات تشكّل نوعاً من "توازن الرعب" و"مشاريع "الإسناد  والثأر" في مواجهة "العدوانية الإسرائيلية" التي ألحقت بالحزب هزائم غير مسبوقة، متسلّحة بالدعم الدولي.

فقد بات واضحاً - لدى هذه المصادر - أن ليس هناك من رادع لـ "القوة المفرطة" للجيش الإسرائيلي سوى مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قيّد حركتها إلى الحدود القصوى. وكل ذلك، بهدف التوصل إلى إنجاز يمكن ان تحققه الأدارة الأميركية، على إحدى الجبهات الملتهبة منذ أن توالت فصول حربي "إسناد غزة" و"الثأر للمرشد الأيراني الأعلى" وما بينهما، وضعت لبنان على كفّ عفريت، وقد سُدّت السبل إلى لجم "الاندفاعة الإنتحارية" للحزب، بمعزل عن قدرة بيئته واللبنانيين على التحمّل، وما يعانيه البلد من صعوبات فاقت قدرات أبنائه.

وتأسيساً على هذه المعادلة التي لا يمكن التشكيك بها في حال النظر إلى ما انتهت إليه التطورات بعين العقل والمنطق، ونتائجها الكارثية التي حلت باللبنانيين عموماً، والجنوبيين والبقاعيين من دون ان تكون محصورة بالطائفة الشيعية فحسب، ولا بـ "بيئة الحزب" تحديداً، وقد ظهر في وضوح أنّ ضحايا الحرب باتوا من جميع مناطق لبنان وطوائفه. عدا عن المهانة التي لحقت بهيبة الدولة ومؤسساتها بطريقة باتت تهدّد ما تمّ بناؤه من قدرات عسكرية وأمنية، في ظل فشل بقية المؤسسات من استعادة أدوارها كاملة.

ولذلك، توقفت هذه المصادر في أولى قراءة لها، وسعيها إلى معاينة ما انتهت اليه المواقف المتشنجة التي تشكّك بـ "الشرعية الحامية" لعدد من نواب ومسؤولي الحزب منذ بدء الحرب، وتبنّيها لكل نتائج "الهزيمة" التي لحقت بالحزب من دون ان يكون لها أي ذنب بما حصل، عند بعض المؤشرات التي يمكن أن ترسم ملامح المستقبل. ومنها:

ـ لم يكن منطقياً ان يكون الموقف الشيعي حاداً وجامعاً بقيادتيه السياسية والدينية إلى هذه الدرجة. ذلك انّ الرئيس بري وقيادة الحزب هم على اطلاع على كثير من الحقائق المخفية على بقية الأطراف. وهم يدركون حجم القدرة على مواجهة الآثار المترتبة على المضي في مسلسل الحروب التي خيضت بتفرّد، في ظل ما انتهت اليها التجارب السابقة. وقد سبق لبري أن عبّر عن رفضه للمراحل التي تلت فصولها الأولى، قبل ان يتبين انّه لم يتمكن من حصرها، محتفظاً بعدد من خطوط التواصل المهدّدة بالانقطاع اليوم، مع مختلف القوى الإقليمية والدولية التي نبّهت من مخاطر المضي في هذا "الأسلوب الإنتحاري".

ـ ظهر التناقض كبيراً في رهان الثنائي على ما يمكن أن يناله من "مسار إسلام آباد"، وقد ذهبت طهران بعيداً في طروحاتها التي تعني "مصالحها الحيوية". عدا عن النشوة التي عاشها قادته لمجرد أن تحدث الرئيس ترامب عن النتائج الإيجابية التي قاد إليها التواصل مع "قياديين رفيعي المستوى" من الحزب. فاعتبروا انّ فيه إقراراً بـ "مصادر القوة" من دون إدراك انّ لهذا الاعتراف وجهاً آخر يترجمه التحذير الأميركي ومعه من المجتمع الدولي كاملاً من مخاطر الاحتفاظ بسلاح غير شرعي، بعيداً من متناول الجيش والقوى العسكرية والأمنية. حتى انّ الدول التي استقبلت وفوداً إيرانية ومن الحزب - كمثل تلك المفاوضات السرّية التي استضافتها قطر - لا يمكن أن يكون لها أي موقف إيجابي، على الأقل لجهة إعادة إعمار ما هدّمته الحرب وجرفته، فور أن تضع أوزارها، إن لم ينته الدور المناط بالسلاح "المأمور والمسيّر" من الخارج.

ـ ينذر ربط الثنائي بين حربي إيران ولبنان، والإصرار على اي مطلب يمكن أن يأتي من "مسار إسلام آباد" على صعوبته، بأنّه ليس هناك من أبواب تعاون يمكن ان تكون قائمة في المستقبل بين طهران والطائفة الشيعية ولبنان، بغير الآليات العسكرية والأمنية، وانّ لا مجال للتعاون في مجالات أخرى إنمائية وإعمارية وثقافية في لبنان.

وبمعزل عن هذه الملاحظات الأساسية التي يمكن ان يتفرّع منها كثير مما يدور في فلكها، عبّرت المراجع عينها عن مخاوفها الجدّية مما قد يؤدي اليه منع تطبيق الاتفاق، وخصوصاً إن كان هناك اقتناع لدى الثنائي بأنّ ما يجري في لبنان يقوّي موقف إيران التفاوضي بدلاً من العكس. ذلك انّ مثل هذه النظرية، تعزز الاعتقاد بقرب أن تقطع طهران ومعها "الشيعية السياسية" ما يمكن اعتباره "حبل السُّرة" الرفيع بين لبنان والعالمين العربي والدولي، لما لذلك من تداعيات تقضي على الأمل بخروج لبنان من مسلسل نكباته ومآسيه المتتالية وتجرّه إلى ما لا تحمد عقباه.
 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment