بقلم: د. محمد نصار
يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاستراتيجية في ظل التقارب الأمريكي الإيراني الذي أعاد رسم العديد من ملامح المشهد الإقليمي، وأثار تساؤلات واسعة حول مستقبل عدد من الملفات الساخنة، وفي مقدمتها الملف اللبناني والعلاقة المتوترة بين إسرائيل ولبنان. فلبنان الذي ظل لعقود ساحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي يجد نفسه اليوم أمام مرحلة قد تحمل فرصًا للاستقرار كما قد تنطوي على تحديات جديدة تتعلق بتوازنات القوى الداخلية والخارجية.
لقد كان لبنان أحد أبرز الساحات التي تأثرت بالصراع الأمريكي الإيراني خلال السنوات الماضية، حيث انعكس هذا الصراع بشكل مباشر على الوضع السياسي والاقتصادي والأمني داخل البلاد. ومع ظهور مؤشرات على تفاهمات أو اتفاقات بين واشنطن وطهران، تتجه الأنظار نحو كيفية انعكاس ذلك على الداخل اللبناني وعلى دور القوى السياسية المختلفة، خاصة تلك المرتبطة بالمحور الإيراني.
ومن المتوقع أن يسهم أي اتفاق مستدام بين الولايات المتحدة وإيران في تخفيف حدة التوتر الإقليمي، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على لبنان من خلال تقليل احتمالات المواجهة العسكرية وتوفير مناخ أكثر استقرارًا يسمح بإعادة تنشيط الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية. كما قد يفتح المجال أمام تسويات داخلية تساعد على تجاوز حالة الانقسام السياسي التي عطلت مسيرة الإصلاح والتنمية خلال السنوات الأخيرة.
اقتصاديًا، يعاني لبنان من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخه الحديث، حيث تراجعت قيمة العملة الوطنية وارتفعت معدلات الفقر والبطالة وتآكلت القدرة الشرائية للمواطنين. وفي حال أدى التقارب الأمريكي الإيراني إلى تهدئة إقليمية أوسع، فقد يشجع ذلك الدول المانحة والمؤسسات الدولية على زيادة دعمها للبنان، خاصة إذا اقترن الأمر بتنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية تعيد الثقة بالاقتصاد اللبناني.
غير أن التفاؤل بشأن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يتجاهل تعقيدات الواقع الداخلي. فالأزمة اللبنانية ليست مجرد انعكاس للصراعات الخارجية، بل هي أيضًا نتيجة تراكمات طويلة من المشكلات البنيوية المتعلقة بالنظام السياسي والطائفي والفساد وضعف الإدارة العامة. ولذلك فإن أي انفراج خارجي لن يكون كافيًا بمفرده لإنقاذ البلاد ما لم يرافقه توافق وطني واسع على برنامج إصلاحي شامل.
أما فيما يتعلق بمستقبل التهدئة بين إسرائيل ولبنان، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا. فمنذ عقود تشكل الحدود الجنوبية للبنان إحدى أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع الحسابات السياسية والإقليمية. وقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة فترات من التصعيد وأخرى من الهدوء النسبي، إلا أن احتمالات الانفجار ظلت قائمة في أي وقت.
إذا نجح الاتفاق الأمريكي الإيراني في تخفيض مستوى التوتر بين الطرفين، فإن ذلك قد ينعكس على مستوى التهدئة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، خاصة أن العديد من المواجهات السابقة كانت مرتبطة بصورة أو بأخرى بالتوترات الإقليمية الأوسع. ومن المرجح أن تمارس القوى الدولية ضغوطًا للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تصعيد قد يهدد مصالحها أو يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة.
في المقابل، لا تزال هناك عوامل عديدة قد تعرقل استمرار التهدئة. فإسرائيل تنظر إلى أي تنامٍ في القدرات العسكرية للقوى المسلحة في لبنان باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما يرى الجانب اللبناني أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية والاعتداءات المتكررة يمثل مصدرًا دائمًا للتوتر. كما أن أي تطورات مفاجئة في ملفات إقليمية أخرى، مثل الملف الفلسطيني أو الوضع في سوريا، قد تؤثر بشكل مباشر على استقرار الحدود الجنوبية.
ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار سياسة "الردع المتبادل" بين الجانبين، حيث يسعى كل طرف إلى تجنب حرب شاملة بسبب التكلفة الباهظة التي ستترتب عليها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدراته العسكرية واستعداداته الأمنية. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار حالة من الهدوء الحذر بدلاً من تحقيق سلام دائم أو تسوية نهائية.
على المستوى السياسي، قد تفتح التهدئة الممتدة الباب أمام تعزيز دور المؤسسات الدولية في مراقبة الحدود وتنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة، بما يسهم في تقليل فرص الاحتكاك العسكري. كما يمكن أن يشجع ذلك على إطلاق مبادرات اقتصادية وتنموية في المناطق الحدودية التي عانت طويلًا من آثار الصراع وعدم الاستقرار.
وفي المجمل، يبدو أن مستقبل لبنان بعد أي اتفاق أمريكي إيراني سيتوقف على قدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمار الفرصة المتاحة لإعادة بناء الدولة وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي. أما التهدئة بين إسرائيل ولبنان فستظل مرتبطة بجملة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية، ما يجعلها تهدئة قابلة للاستمرار إذا توافرت الإرادة السياسية، لكنها تبقى معرضة للاهتزاز في حال عودة التوترات إلى المنطقة.
إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول التفاهمات الإقليمية إلى فرصة لإعادة الاستقرار والنهوض الاقتصادي، وإما أن تضيع هذه الفرصة وسط تعقيدات الداخل وصراعات الإقليم. وبين هذين الاحتمالين يبقى مستقبل البلاد مرهونًا بقدرة الدولة والقوى السياسية على تغليب المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة، والعمل من أجل بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة.











06/05/2026 - 11:39 AM





Comments