علي جزائري
من السهل أن يرفض المرء فكرة الدولة اليهودية عندما ينظر إليها بوصفها حالة منفصلة عن السياق العالمي، لكن من الصعب فعل ذلك عندما يضعها ضمن مسار تاريخي أوسع شهد صعود الدول التي تستمد جزءاً من شرعيتها السياسية من هوية دينية أو مذهبية محددة.
فالسياسة، كما التاريخ، لا تعترف بالاستثناءات الدائمة. وما يُمنح لفئة يصبح من الصعب إنكاره على فئة أخرى. لذلك فإن أخطر ما أنتجته العقود الأخيرة لم يكن ظهور دولة يهودية، بل ترسيخ فكرة أن الدين يمكن أن يكون أساساً لتعريف الدولة وهويتها وشرعيتها.
حين تعلن دولة ما أن ديناً معيناً يشكل ركناً أساسياً من بنيتها السياسية، أو حين تصبح المرجعية الدينية جزءاً من تعريف النظام العام، فإنها، من حيث تدري أو لا تدري، تقدم حجة مجانية لكل من يسعى إلى بناء دولة على أساس ديني آخر.
في عالمنا المعاصر نجد نماذج متعددة لذلك. فهناك دول تُعرّف نفسها صراحة بأنها إسلامية، مثل ، حيث يشكل المذهب والمرجعية الدينية جزءاً أساسياً من بنية النظام السياسي. وهناك دول تستند في شرعيتها إلى هوية إسلامية سنية واضحة، ولو بدرجات متفاوتة، كما في . وفي المقابل توجد دول تمنح مكانة دستورية خاصة لدين الأغلبية أو للكنيسة التاريخية، كما هو الحال بدرجات مختلفة في عدد من الدول الأوروبية ذات الإرث المسيحي.
المشكلة ليست في هذه الدول بذاتها، ولا في حق الشعوب في الحفاظ على تراثها وثقافتها الدينية، بل في المبدأ الذي يتم تكريسه. فعندما يصبح الدين جزءاً من تعريف الدولة، تنتقل السياسة من مفهوم المواطنة إلى مفهوم الهوية الجماعية. وعندما تصبح الهوية الجماعية أساس الشرعية، يصبح من الطبيعي أن يطالب كل أصحاب هوية مماثلة بالحق نفسه.
من هنا، لا يمكن فصل فكرة الدولة اليهودية عن البيئة الفكرية والسياسية التي سبقتها. فهي لم تظهر في فراغ، بل في عالم اعتاد على الربط بين الأرض والدين، وبين السلطة والعقيدة، وبين الدولة والانتماء المذهبي. وقد يكون كثيرون معارضين لها سياسياً أو تاريخياً أو قانونياً، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن منطق الدول الدينية والطائفية هو نفسه المنطق الذي يمنحها جزءاً من مبرراتها النظرية.
إن التناقض لا يكمن في رفض الدولة اليهودية بحد ذاته، بل في رفضها بالتزامن مع الدفاع عن دول أخرى تقوم على الأساس الفكري نفسه. فإما أن يكون المعيار هو الدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون بغض النظر عن أديانهم، وإما أن يكون المعيار هو الدولة المرتبطة بهوية دينية، وعندها يصبح من الصعب منع الآخرين من المطالبة بما مُنح لغيرهم.
لقد أثبت القرن الماضي أن الدول لا تدخل في صراعات بسبب اختلاف الأديان فحسب، بل بسبب تحويل الأديان إلى مشاريع سياسية متنافسة. وكلما ازدادت الهوية الدينية حضوراً في تعريف الدولة، ازداد الميل إلى البحث عن دول أصغر وأكثر انغلاقاً وأكثر تشابهاً مع جماعاتها.
لذلك، فإن الدولة اليهودية ليست سوى أحد أعراض ظاهرة أوسع. أما المرض الحقيقي فهو الاعتقاد بأن المواطنة وحدها لا تكفي، وأن الدولة تحتاج إلى هوية دينية أو مذهبية كي تبرر وجودها. وعندما يصبح هذا الاعتقاد قاعدة عامة، فإن ظهور المزيد من الدول القائمة على الانتماء الديني لن يكون مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ زمن طويل.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس لماذا توجد دولة يهودية، بل لماذا ما زال العالم، بعد كل الحروب والانقسامات التي عرفها، عاجزاً عن بناء دولة يكون فيها الإنسان مواطناً قبل أن يكون تابعاً لطائفة أو مذهب أو دين.
* كاتب لبناني













06/04/2026 - 13:28 PM





Comments