قصة قصيرة
____________________________
الخوري الدكتور نبيل مونس
لم تكن عودة فؤاد إلى لبنان مجرّد رحلة عاطفية أو نزوة حنين. كانت قرارًا وجوديًا، يشبه محاولة استعادة جزء ضائع من الذات. ثلاثة عقود عاشها في الولايات المتحدة، بنى خلالها حياة مستقرة، عملاً ناجحًا، وصداقات متينة. ومع ذلك، ظلّ يشعر بأن شيئًا ما ناقص، شيء لا يُشترى ولا يُعوَّض: رائحة الوطن.
كان يقول لنفسه دائمًا: سأعود يومًا… لبنان لا يترك أحدًا في سلام. وحين عاد، اكتشف أن لبنان لم يكن ينتظره. بل تغيّر… كثيرًا.
العودة: صدمة اللقاء الأول
في المطار، لم يكن المشهد كما رسمه في خياله. الوجوه مألوفة، نعم، لكن التعب محفور في العيون. الابتسامات موجودة، لكن خلفها قلقٌ ثقيل. الأقارب الذين كانوا يركضون نحوه صغارًا، صاروا يسلّمون عليه ببرودةٍ تشبه المسافة التي صنعتها السنوات. الأصدقاء الذين كانوا يملأون لياليه صخبًا، صاروا يعتذرون عن اللقاء بحجّة الانشغال، وكأن الزمن علّمهم أن يختصروا العاطفة.
حتى أهله… تغيّروا. كبروا بسرعةٍ لم يتوقّعها، كأن الحياة في لبنان تركض أسرع من كل مكان آخر. كان ينظر إليهم ويشعر بأن الغربة لم تكن في المسافة… بل في الزمن الذي لم يعشه معهم. ومع ذلك، لم يتراجع. قال لنفسه: البلد تغيّر… لكن يمكنني أن أبدأ من جديد.
سنتان من البناء: شركة صغيرة… وحلم كبير
استأجر مكتبًا صغيرًا في بيروت، في مبنى قديم يطلّ على شارع مزدحم. أسّس شركة ناشئة في مجال الخدمات الرقمية، جمع فريقًا شابًا، وبدأ العمل بشغف، رجل يريد أن يعوّض كل ما فاته.
كان يستيقظ كل صباح قبل الجميع، يفتح النوافذ، ويجلس أمام مكتبه الخشبي القديم ليخطّ خططه، ويشرب القهوة. كان يشعر بأن الحياة تعطيه فرصة ثانية، وأن لبنان، رغم كل شيء، قادر على احتضان أحلامه.
خلال سنتين، توسّعت الشركة. كبر الفريق. كبرت المشاريع. كبر الأمل.
كان يقول بفخر: رجعت لأبني… مش لأتفرّج.
ثم جاءت الحرب: لحظة الانهيار الكبير
في صباحٍ ثقيل، تغيّر كل شيء. دوّى أول انفجار، ثم الثاني، ثم سلسلة انفجارات جعلت المدينة ترتجف. بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان، ومعها انهارت أحلام كثيرة… كان حلمه واحدًا منها.
في أيام قليلة، خسر مكتبه الذي تضرّر بشدة. خسر معدّاته، زبائنه، مشاريعه، خططه، وحتى الشوارع التي كان يمشي فيها كل صباح. خسر ما بناه بيديه، وما أعاد إليه الأمل بعد غربةٍ طويلة.
لكن الخسارة الأكبر لم تكن مادية. كانت معنوية. كانت في تلك اللحظة التي وقف فيها أمام نافذته، يسمع دويّ الانفجارات من بعيد، ويشعر بأن الوطن الذي عاد إليه بشغف… يعود ليدفعه إلى الحافة من جديد.
بين البقاء والرحيل: القرار الأصعب
كثيرون نصحوه بالمغادرة. أصدقاؤه في أميركا قالوا له: ارجع… ما في شي بيستاهل. أقاربه قالوا له: خلص… لبنان ما عاد إلو أمل. حتى بعض موظفيه تركوا البلاد. لكنه لم يغادر. لم يقل هذه ليست بلادي. بل قال جملة واحدة ظلّت تتردّد في داخله كصلاة: لبنان لا يموت… وأنا لن أتركه يموت في داخلي.
كان يعرف أن الحرب ليست قدرًا دائمًا، وأن الخراب ليس نهاية. كان يعرف أن هذا البلد، رغم كل شيء، يملك قدرة غريبة على النهوض، على التجمّل، على إعادة اختراع نفسه. وربما… كان يشبهه.
إعادة البناء: من تحت الرماد
في قلب الحرب، قرّر أن يبدأ من جديد. ليس شركة فقط، بل حياة كاملة. بدأ يجتمع مع فريقه في منازلهم، في المقاهي، في أي مكان آمن. أعاد تنظيم العمل، أعاد التواصل مع الزبائن، أعاد بناء ما تهدّم.
كان يقول: «إذا الحرب بدها تكسّرنا… نحنا بدنا نرجع نوقف.»
ومع كل خطوة صغيرة، كان يشعر بأن لبنان يبادله الإصرار. كان يشعر بأن هذا البلد، رغم جراحه، يمنحه قوة لا يعرف مصدرها.
خاتمة: لماذا بقي؟
بقي لأنه اكتشف أن لبنان ليس الأماكن التي تغيّرت، ولا الناس الذين ابتعدوا، ولا المشاريع التي سقطت. لبنان الحقيقي هو ذلك الشعور الذي لا يموت، ذلك الخيط الخفي الذي يشدّك إليه مهما حاولت الهرب. هو تلك الدموع التي تنزل حين ترى علمه مرفوعًا رغم الدمار. هو تلك القوة الغريبة التي تجعلك تبدأ من جديد… حتى لو كنت وحدك.
عاد ليجد أن الوطن تغيّر. لكنّه بقي… لأنه اكتشف أن الوطن الحقيقي ليس ما نراه، بل ما نحمله في قلوبنا.












06/04/2026 - 08:44 AM





Comments