سياسة سحب الذرائع وتعويم الوصاية: طريق لا يحمي الأقصى بل يسرّع تقويضه

06/03/2026 - 11:38 AM

San Diego

 

 

 

فلسطين – القدس المحتلة - كتب راسم عبيدات

هذه رسالة صادقة موجّهة إلى القيادة الأردنية وصنّاع القرار، من جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الحكومة والبرلمان وكل مؤسسات الدولة، وإلى القوى السياسية والجماهير الأردنية. فعندما تكون المخاطر حقيقية وتمسّ ثوابت الأمة العقدية والوطنية، لا مجال للمجاملة أو المداراة، بل لا بدّ من خطاب واضح وحروف نافرة.

بوصفي من القدس ومتابعًا لما يجري فيها، أرى الحرب الشاملة التي تشنّها حكومة اليمين المتطرف في "إسرائيل" على المدينة ومقدساتها، حربًا تستهدف تفاصيل حياة المقدسيين، وتسعى إلى حسم السيطرة على القدس وتغيير مشهدها العروبي–الإسلامي–المسيحي الأصيل إلى مشهد تلمودي–توراتي مصطنع، عبر قلب واقعها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين. ويجري ذلك في ظل فائض القوة الإسرائيلي، وضعف الإرادة العربية، وانتقال دول عربية من التطبيع إلى التنسيق والتحالف الأمني والعسكري مع "إسرائيل"، بالتوازي مع تماهي اليمين الصهيوني المتطرف مع اليمين المسيحاني الأنجليكاني في الولايات المتحدة، الذي يمثّله بوضوح المحافظون الجدد، ومنهم السفير الأمريكي مايك هاكابي الذي يجاهر بصهيونيته.

لا يوجد فلسطيني واحد يعارض تثبيت الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية، أو الوقوف بحزم ضد محاولات العبث بها من أطراف عربية تتحرك بقرار أمريكي. فهناك من يروّج لفكرة "الديانة الإبراهيمية" وينكر قدسية الأقصى الإسلامية الخالصة، وصولًا إلى الخطة الأمريكية التي كشفها موقع Middle East Eye بقيادة كوشنير وهاكابي، والقائمة على تحويل الأقصى إلى معلم سياحي متعدد الديانات، وربط ذلك بضغط ترامب على ثماني دول عربية للانخراط في "السلام الإبراهيمي" كتعويض عن فشل الحرب على إيران.

ما يجري اليوم يتجاوز التقسيم الزماني والمكاني، ليصل إلى استهداف وظيفة المكان، أي إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية على الأقصى باستخدام أدوات قانونية وأمنية، بعد أن كان التطرف سابقًا يستهدف المكان بالتفجير والتدمير.

وقد استشعرت الحكومة الأردنية ودائرة الأوقاف خطورة ما حدث حين أُغلق المسجد أربعين يومًا بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بذريعة الأمن، بينما كان الإغلاق غطاءً لمسار سياسي–أيديولوجي يستهدف تغيير الوضع القانوني والتاريخي للأقصى.

وفي رمضان، رأينا استهداف البنية الإدارية والإعلامية للأقصى، ومحاولات نزع طابعه التعليمي والاجتماعي، وإقرار قوانين في الكنيست لنزع القدسية عن ساحاته، وتمرير قانون "إنقاذ ساحة البراق"، والسعي لإدخال قرابين الفصح، ورفع الأعلام الإسرائيلية في ساحاته، وصولًا إلى أعياد "توحيد القدس" و"عيد الأسابيع" وغيرها.

الأردن بات يدرك أنه غير قادر وحده على لجم هذه المخططات، خصوصًا في ظل الانهيار العربي الرسمي، وتساوق أطراف عربية مع مشروع تحويل الأقصى إلى مكان مشترك للأديان الثلاثة. لذلك لجأ إلى تعويم الوصاية عبر إشراك أطراف عربية وإسلامية، لكن هذه الأطراف غير مستعدة لتوظيف مصالحها في خدمة السياسة، ومواقفها لا تتجاوز بيانات الشجب والاستنكار.

إن تعويم الوصاية وسياسة سحب الذرائع لا يحميان الوصاية، بل يسرّعان تقويضها، ما لم يستندا إلى موقف عربي–إسلامي موحّد، بعيد عن الحساسيات المذهبية والارتهان للموقف الأمريكي. فحين تتشكل جبهة عربية–إسلامية موحدة، تُسخّر فيها الإمكانات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية، يمكن حينها فقط إجبار إسرائيل على وقف مخططاتها لتهويد الأقصى.

أما سياسة سحب الذرائع، فقد أثبتت فشلها من غزة إلى الضفة والقدس ولبنان وسوريا. فكل تراجع أمام القوة الإسرائيلية يقابله فرض شروط جديدة. ولبنان مثال واضح: رغم اختيار الدولة المسار الدبلوماسي، لم تلتزم إسرائيل بوقف النار ولا بالانسحاب، بل ذهبت نحو التحضير لعدوان واسع على الضاحية وبيروت، ولم يتوقف ذلك إلا بعد التهديد الإيراني المباشر بالتدخل وقصف مستوطنات الشمال ونسف مسار التفاوض.

إن حماية الوصاية الأردنية ومنع تآكلها لا يكونان عبر التعويم، بل عبر استنفار الطاقات العربية والإسلامية للدفاع عن الأقصى والوصاية، بعيدًا عن المذهبية والارتهان لواشنطن، الشريك الاستراتيجي لإسرائيل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment