جنوب لبنان - تحقيق الاب البر عساف
في الجنوب اللبناني، حيث تتداخل أصوات الأجراس مع أصداء الانفجارات، وحيث اعتادت القرى المسيحية أن تكون مساحة للعيش المشترك والهدوء، تبدو منطقة مرجعيون اليوم وكأنها تعيش واحدة من أقسى مراحل تاريخها الحديث. فالحرب التي لم يخترها أهلها، فرضت نفسها على يومياتهم، وحولت الطرقات والمدارس والحقول إلى أماكن يختلط فيها الخوف بالمجهول.
في هذه المنطقة المحاصرة عملياً، حيث تُقطع الطرقات بالغارات الإسرائيلية وتُقفل مسارات الحياة الطبيعية، يجد السكان أنفسهم عالقين بين نيران متقابلة. فمن جهة، تستمر الضربات الإسرائيلية التي تطال مناطق مدنية وتزرع الرعب بين الأهالي، ومن جهة أخرى تسقط الصواريخ وتدور المواجهات في محيط القرى، لتجعل المدنيين يدفعون الثمن الأكبر من أمنهم واستقرارهم وأرواحهم.
صباح الإثنين، خرج طبيب الأسنان الدكتور جيمس كرم من قرية القليعة وهو يحمل في قلبه ما يحمله كل أب جنوبي: خوف على أولاده، ورجاء بمستقبلهم، وإيمان بأن الله يرافق خطواتهم. رافق إبنه طوني الطالب في جامعة (الهندسة الفرع الثاني رومية) وإبنته ثيودوسيا الطالبة في الجامعة اللبنانية كلية العلوم في الحدث ... حيث كانا يستعدان لامتحاناتهما، وحين صدر قرار التأجيل، عادوا إلى الجنوب… إلى البيت… إلى القرية… إلى حضن الحياة التي تنتظرهم.
لكن على طريق الخردلي، كان القدر يكتب سطراً آخر، غارة إسرائيلية باغتت السيارة، فخطفَت الأب وولدَيه في لحظة واحدة. لحظة انطفأت فيها الضحكات، وسكتت فيها أحاديث الطريق، وتحوّل فيها الحلم إلى شهادة. لم يحملوا سلاحاً، لم يكونوا في معركة، لم يكن معهم سوى كتبهم وإيمانهم. كانوا أبناء هذه الأرض التي تعطي الحياة رغم أن الحرب تحاول أن تأخذها.
عائلة تصبح وجهاً لوطنٍ موجوع
لم تكن مأساة عائلة كرم خبراً عابراً. كانت مرآة لكل بيت جنوبي، لكل أم تنتظر عودة أولادها، لكل أب يودّع أبناءه على باب البيت وقلبه معلّق بالسماء. رأى أبناء القليعة ومرجعيون في هذه الفاجعة أنفسهم: أباً يشبه آباءهم، شباباً يشبه أبناءهم، ومستقبلاً كان يُبنى بالتعب والصلاة قبل أن يُخطف بلمح البصر.
الدكتور جيمس كرم لم يكن مجرد طبيب استان، بل كان قلباً يخدم الناس بمحبة. وطوني وتيودوسيا كانا صورة الشباب اللبناني الذي يصرّ على العلم رغم الانهيار، وعلى البقاء رغم الهجرة، وعلى الرجاء رغم الحرب. لذلك صار الحزن أكبر من العائلة، وصارت الفاجعة جرحاً في صدر الجنوب كله.
إيمان يواجه القدر… ورجاء يواجه الموت
في القليعة، لم تُطفأ الشموع. وفي الكنائس، لم تتوقف الصلوات. فالجنوب يعرف أن الإيمان لا يمنع الألم، لكنه يمنح القوة لعبوره. ويعرف أن القدر قد يجرح، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على الرجاء.
ترتفع الصلوات اليوم من البيوت والكنائس، لا طلباً للانتقام، بل طلباً لسلام يحمي الأبناء، ويعيد للعائلات حقها في الحياة، ويمنح الجنوب فرصة أن يتنفس من جديد.
مرجعيون… أرض القدر والصمود
القرى المسيحية الممتدة على الحدود تعيش أياماً صعبة: طرقات خطرة، أراضٍ مهجورة، محالّ مقفلة، وقلوب تعيش على إيقاع الخوف. ومع ذلك، لا تزال هذه القرى واقفة. لا تزال الأجراس تُقرع، والشموع تُضاء، والصلوات تُرفع. لأن أهل الجنوب يعرفون أن الأرض ليست مكاناً نعيش فيه، بل هوية نعيش منها.
في القليعة، عين إبل، رميش، دبل، ومرجعيون، البقاء ليس مجرد قرار… إنه شهادة حياة.
قصة عائلة… وقيامة جنوب
رحل جيمس وطوني وتيودوسيا، لكن قصتهم لن ترحل. ستبقى شاهداً على وجع منطقة بأكملها، وعلى شعب يريد أن يعيش بكرامة، وعلى إيمان أقوى من الموت. ستبقى شهادتهم نوراً يذكّر بأن القدر مهما اشتدّ، لا يستطيع أن يطفئ نور الذين عاشوا بمحبة ورحلوا بسلام.
ومن بين الدموع، ومن تحت رنين الأجراس، يرتفع صوت واحد من قلب الجنوب:
"قد يختبرنا القدر، وقد تأخذ الحرب أحبتنا، لكن إيماننا لا يسقط، ورجاؤنا لا يموت. وفي أرضنا سنبقى… لأن هذه الأرض وُلدت من صلواتنا، وتعيش من دموعنا، وتنهض بقيامة أبنائها".
"نحن هنا... وفي أرضنا باقون."











06/02/2026 - 20:15 PM





Comments